اراء وأفكار

العراق والمرض الهولندي

 

عبير الشمري 

 

المرض الهولندي أو ما يسمى بلعنة الموارد هو حالة من الكسل والتراخي الوظيفي يصيب البلدان التي تكتشف وجود ثروات طبيعية في أراضيها ما يدفعها الى انتهاج أسلوب حياة بذخي واستهلاكي يحولها من دولة انتاجية الى دولة ريعية. والدولة الريعية هي الدولة التي لا تحصل على ايرادتها من خلال الإنتاج والعمل وانما تعتمد على موارد طبيعية توفرها الأرض مثل ( النفط والغاز والذهب والمعادن الأخرى ) أو الموقع الجغرافي للدولة الذي يجعلها ممرا تجاريا للبواخر مثل قناة السويس في مصر أو أنابيب النفط  وأخرى. هذا ما يجعل هذه الدول أسيرة لأسواق النفط العالمية و تحدد موازناتها على أساس الأسعار فمتى ما ارتفعت الأسعار كانت الموازنة مترفة، و إذا ما انخفضت الأسعار عاشت الدولة بتقشف و هذا ما عاشته هولندا عند اكتشافها للنفط، وإهمالها لمواردها الأخرى ما أدى بها الى تدهور اقتصادي قوي بعد أن شحت العائدات النفطية واستهلكت. إن ما يحدث في العراق يفوق ما حدث في هولندا في سبعينيات القرن الماضي، وإن ما سيحصل قد يفوق كل التوقعات، فمن العجيب أن يتكرر مثل هذا الخطأ في دولة كالعراق التي اكتشفت النفط منذ عقود طويلة وتملك عقولا لا يستهان بها ساهمت بشكل وبآخر في تطور وتنمية الاقتصاد وجوانب أخرى من الحياة حول العالم. ومن الجدير بالذكر أن العراق قد صنف بالمرتبة التاسعة من بين الدول الاكثر امتلاكاً للموارد الطبيعية في العالم و يملك بالاضافة الى النفط و الغاز الطبيعي و المسال، فهناك الزئبق وهو مادة نادرة و باهظة الثمن الا انها مهملة و الفوسفات و الحديد و الكبريت فاعتماد العراق على صادرات النفط أدى به الى أن يهمل جميع الموارد الأخرى التي كان من الأجدر به تطويرها مثل القطاع الزراعي الذي كان قديما وحتى ثمانينيات القرن الماضي يشكل النسبة الأكبر من العائدات ومن ثم تم تطوير الصناعة الى حد ما حيث أنها لم تكن تنافس صناعات الدول المتقدمة ولكنها كانت جيدة على المستوى المحلي، كما ان هناك قطاعات اخرى كان من الممكن اذا ما استغلت ان تدر الارباح الوفيرة ومنها قطاع السياحة، فالعراق غني بالسياحة المتنوعة وياتي ذلك من التنوع الجغرافي للبلاد حيث تملك الجبال والسهول والصحراء والانهار والاهوار التي تعتبر ظاهرة طبيعية فريدة من نوعها والوحيدة في العالم, وربما قطاع النقل كان ذا دور فعال نظرا لموقع العراق الجغرافي و خاصه اذا ما تم تفعيل النقل النهري. لقد أخذ الاقتصاد العراقي بالتدهور تدريجيا منذ الحرب العراقية الإيرانية وازداد تدهورا بعد فرض الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينيات القرن الماضي وبعدها دخل العراق القرن الحالي بأزمة اكبر من استيعابه، فانتقاله من حكم دكتاتوري الى حكم ديمقراطي كان كانتقال المادة من النار الى الماء المثلج وكان التخبط نتيجتها مرور ثلاث عشرة سنة من الصرف والبذخ وبموازنات انفجارية دون انجاز يذكر لم يخلف سوى ازمة اقتصادية كبيرة. ومن المؤسف ان سياسة الدولة العراقية التي اهملت كل هذه الخيرات واعتمدت على النفط فقط قد عززت من المرض الهولندي وادت الى دخول العراق بفترة تدهور اقتصادي وعجز مالي قد يؤدي في الايام القادمة الى خفض سعر صرف الدينار العراقي امام الدولار، لهذا على الحكومة العراقية أن تعدل من مسارها وتضع حلولا ستراتيجية تعيد فيها الحياة للقطاعات الأخرى وتؤسس اقتصادا غير ريعي وتقوم باستثمار الثروات والموارد الأخرى التي يتمتع بيها العراق وتستثمر العائدات النفطية بتطوير القطاعات الاخرى شرط ان تقضي على الفساد المتفشي في الدولة أو في الأقل تحد منه والا فان الوضع الاقتصادي سوف يتأزم أكثر فاكثر.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان