الإفتتاحية

أنا أنتخب.. إذن أنا موجود!!

فالح حسون الدراجي

  ذكر الكاتب المصري الكبير أنيس منصور في مقالة له حول القاعدة الشهيرة التي أطلقها الفيلسوف الفرنسي ديكارت: (أنا أفكر.. إذن أنا موجود) قائلاً: إذا كان الفيلسوف الفرنسي قد قال يوماً: انا أفكر.. إذن أنا موجود.. فإن الفيلسوف الألماني كارل ماركس قد قال أيضاً: أنا آكل.. إذن أنا موجود!! وقال الشاعر بايرون: انا أحب إذن أنا موجود، وقال كافكا: أنا خائف إذن أنا موجود.. بينما قال تولستوي: لن أكون موجوداً حتى تموت زوجتي!!

فماذا تريد أن تقوله أنت على ضوء هذه القاعدة؟

وجوابي أقول فيه: أنا أنتخب.. إذن أنا موجود..

نعم هكذا أرى أهمية، وضرورة الانتخابات في حياتي..

قد يقول البعض أن الانتخابات أمرٌ عام، وليس خاصاً بشخص ما.. فهي مشروع وطني يخص عشرات الملايين من العراقيين، وليس مشروعاً شخصياً يخصك أنت فحسب. في حين أن ديكارت وماركس وبايرون وتولستوي وغيرهم تحدثوا عن قضاياهم الشخصية، وليس عن قضايا تعني الآخرين  فديكارت يقول: أنا أفكر إذن أنا موجود، ولم يقل أنا أفكر إذن نحن موجودون!!

 والجواب نعم، فقد تحدث هؤلاء الفلاسفة هنا عن خصوصياتهم، ولم يتحدثوا عن قضايا وخصوصيات الآخرين، والسبب لأن هؤلاء الفلاسفة العظام كانوا قد تحدثوا كثيراً في أماكن أخرى عن قضايا ومصائر غيرهم. فمن منا لايعرف أممية فكر ماركس، وعدالة نظريته التي آمن بها مئات الملايين في العالم.. ومن لا يعرف ثورية الشاعر الإنگليزي  بايرون، وعشقه للحرية، حتى وصف بالشاعر الذي (نذر نفسه للحرية)، ما دفعه الى أن يسافر الى العديد من البلدان التي تتعرض للظلم لمساندتها والوقوف معها، ومثال على ذلك وقوفه مع الشعب اليوناني التواق للحرية والاستقلال في العهد العثماني.. ومن منا لا يعرف أيضاً الخدمات الإنسانية العظيمة التي قدمها تولستوي لشعوب العالم، عبر رسالته الأدبية والفكرية المضيئة. ونفس الشيء يقال عن الفلاسفة الآخرين.

 هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الزاوية التي ينظر منها ديكارت الى الوجود، تختلف كما رأينا عن الزاوية التي ينظر منها تولستوي، أو ماركس، أو بايرون، أو ديكارت، وهذا أمر طبيعي، ومشروع لكل واحد من الخليقة.. لذا فإني -كإنسان- أملك أيضاً نفس الحق في أن أرى وجودي عبر الزاوية التي أراها متطابقة مع منهجي الوطني والثقافي والإنساني.. ورغم هذا فأنا واثق من أن بايرون، وماركس، وديكارت، وغيرهم سيرون الوجود من نفس الزاوية التي أرى الوجود من خلالها، لو كانت بلدانهم قد تعرضت لمثل ما يتعرض له بلدي اليوم من مؤامرة كبيرة، واستهداف إجرامي يهدد وجود الأمة العراقية بكامل مكوناتها، وليس مكوناً واحداً فقط، كما أجزم بأنهم سيتعاطفون معي كثيراً لو أن شعوبهم تعاني نفس المعاناة التي يعانيها شعبي في العراق، جراء التهديد الموجه اليه من كل مكان.. فالقاعدة مثلاً لم تعد وحدها العنصر الدموي في ماكنة الإرهاب الشغالة بقوة ضدنا، إنما تقف معها وتساعدها عناصر دولية وإقليمية ومحلية أخرى. وهنا أود أن أقول أن ديكارت وجماعته سيغيرون وجهات نظرهم حتماً في الزوايا التي يرون الوجود من خلالها، ويتفقون معي في أهمية الانتخابات القصوى في صياغة وجودنا الحالي والمستقبلي، لو أن شعوبهم تنزف مثل شعبي كل يوم عشرات الضحايا البريئة بسبب وبدون سبب، ويكفي أن ألفت الانتباه الى سماع ومشاهدة برامج وأخبار قنوات معينة مثل قنوات البغدادية أو الشرقية، أو بغداد، أو الرافدين لمعرفة حجم ومساحة المؤامرة على العراق.. وعليه فإن اختياري لزاوية الانتخابات، وإعتبارها باباً وحيداً لإثبات وجودي في الكون، لم يأت إعجاباً بعيون العملية السياسية الزرق، ولا مجاملة أو دعاية إعلامية للمفوضية المستقلة للانتخابات -بالمناسبة فإن جريدة الحقيقة تكاد تكون الجريدة العراقية الوحيدة التي لم تنل نصيبها من إعلانات المفوضية، بل لم تحصل حتى على إعلان واحد منها-.

المهم أني أود أن أعلن اليوم أمام العالم كله، بأن قطار حضارة العراق، ووطنية العراقيين، ومشروعية حلمهم المضاء بوهج السلام والحرية والرفاه، سيتوقف عند محطة الإنتخابات القادمة.. فأما المشاركة الكبيرة للجماهير في العملية الانتخابية، لكي يمضي قطار الديمقراطية والسلام سريعاً نحو محطات المستقبل السعيد، وأما العكس لا سمح الله، فيضيع من بين يدينا العراق برمته، وتضيع كذلك حضارته، وتأريخه الباهر، وليس مستقبله فحسب.. لذا فإن مشاركة كل العراقيين الذين يحق لهم الانتخاب في تقرير مصيرهم يوم الثلاثين من نيسان، والذهاب الى صناديق الاقتراع مهما كانت الظروف والأحوال والصعوبات أمرٌ ضروري وحاسم بامتياز، لأن هذه الانتخابات هي خيارنا الوحيد. وبدونها سيأخذ السياسيون المنحرفون البلاد الى قاع الهاوية لا قدَّر الله. إذن دعوني أجيب الكاتب أنيس منصور، وأقول له: أنا أنتخب إذن أنا موجود!!.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان