الإفتتاحية

وللعمامة المقدّسة اختصاصٌ أيضاً

فالح حسون الدراجي

لا يختلف اثنان على ان للعمامة في الاسلام قدسية خاصة.. لا سيما العمامة التي يرثها الأبناء الأطهار عن الآباء والأجداد المبَّجلين.. كيف لا تكون العمامة مقدسة عندنا، وقد ارتداها رسول الله محمد صلى الله عليه وسَلم.. وحملها على رأسه الشريف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم تعطرت بدماء الحسين بن علي، والعباس أبي الفضل، والحمزة عم النبي، وبقية آل بيت الرسول عليهم السلام..

ومن المفيد ذكره هنا أن عموم المسلمين، لا سيما أبناء الطائفة الشيعية ينظرون الى العمامة نظرة لها خصوصية لا تقل قط عن خصوصية التقديس الذي خصَ به الله النبي وآل بيته الكرام، لذلك تجد كبارهم قبل صغارهم يحملون في أرواحهم وعيونهم صورة زاهية للمعممين.. صورة مليئة بالاحترام والتبجيل، وليس غريباً أن تجد آباءهم وأولادهم يفردون مكاناً مميزاً وبارزاً في صدر الديوان لصاحب العمامة، فيجعلون له سبقاً وامتيازاً في الحديث، والطعام، والمسيرة، ويمنحونهم الأسبقية في كل نواحي الحياة، بدليل أن ثمة من يقبل يد المعمم أياً  كان موقعه..

 ويقيناً أن هذا التقدير، والاهتمام لا يمنحه الناس لشخص المعمم، مهما كان هذا الشخص رفيعاً، إنما كانوا يمنحونه لشخص جده الأكرم، إن كان المعمم سيداً، ولقيمة العمامة إن كان المعمم عامياً..

وسيكون الاحترام اكبر حين يكون المعمم نشيطاً وصادقاً في خدمة الدين والمذهب والمجتمع.. بل سيكون هذا الاحترام مضاعفاً إذا ما كان خطيباً فاخراً مثل الدكتور اللامع أحمد الوائلي، أو شاعراً فذاً مثل مصطفى جمال الدين، أو فيلسوفاً فريداً كالشهيد محمد باقر الصدر، وثائراً باسلاً كالشهيد محمد صادق الصدر، أو مرجعاً عظيماً مثل السيد السيستاني، وغيرهم من فطاحل العمامة المقدسة. 

لقد أحب الناس أصحاب هذه العمائم، وتعاطفوا معها، لذلك كان يوم استشهاد البطل محمد باقر الحكيم يوماً أسود في عيون العراقيين بلا استثناء.. ولعل الشيء الذي جعل هؤلاء الأفذاذ محبوبين جداً لدى كل أبناء الشعب العراقي، أنهم لم يقفزوا على مساحات غيرهم ولم يعبروا الموانع للإيثار باستحقاقات الأخرين. فالوائلي الخطيب الفاخر مثلاً، ظل خطيباً حتى يوم رحيله، ولم نره في يوم من الأيام يتحدث بالرياضة، أو يقحم عمامته بالاقتصاد، أو بأمور المال.. ونفس الشيء يقال عن الشاعر مصطفى جمال الدين، الذي ظل شاعراً حتى يوم انتقاله الى جوار ربه. وكذلك المجاهد الكبير محمد باقر الحكيم أو الفيلسوف اللامع محمد باقر الصدر، أو العالم المنير  آية الله محمد صادق الصدر.. حتى السيد علي السيستاني أدامه الله، فهو رغم  التكليف الشرعي باعتباره مسؤولاً عن دين ودنيا ملايين المقلدين له في العالم، فإن الرجل لا يفتي قط في قضايا الاختصاص قبل أن يستشير أصحاب ذلك الاختصاص. وهذا يعني ان سماحته لا يعطي رأياً تخصصياً، ولا يفتي بأمر اختصاصي قبل ان يستعين بآراء أصحاب ذلك الاختصاص، وهذا يعني ان تلك الفتوى هي فتوى المختصين لكنها حملت مباركة، وعبق ختم  السيد السيستاني.

وقبل السيد السيستاني كان الرسول الأعظم قد وقف في معركة بدر بين رجاله المؤمنين، وهو يوزع عليهم الادوار القتالية، ويضعهم في مواقعهم الحربية.. وما أن فرغ الرسول من إتمام خطته، حتى نهض له أحد المقاتلين المعروفين بالكفاءة والمقدرة الحربية قائلاً : 

ـ أهو وحي من الله يا رسول الله.. أم هو رأيٌ منك؟

فقال له الرسول: كلا، إنه رأيي الخاص..

فأجابه المقاتل قائلاً: إذن دعني أخبرك فدتك روحي، بأن هذا الرأي يجانب الصواب، والصحيح أن يكون المقاتل فلان في الجناح الأيمن وتكون المجموعة الفلانية على الجناح الايسر وان يكون فلان هنا، وفلان هناك..

فقاطعه الرسول وهو يلتفت الى المقاتلين قائلاً: استخدموا خطة هذا الرجل فهو أصلح مني في الشؤون الحربية وأدرى معرفة بها مني! واليوم وأنا أسمع أحد المعممين يتحدث في خطابه عن قضايا النفط، وقوانين الاقتصاد، ويعرج على المخزون النفطي، والستراتيجي، وخطة التصفية، والاستكشافات النفطية.. فأشعر بالدهشة والحيرة.. إذ كيف يمنح هذا الرجل الذي نكن له كل الاحترام والتقدير نفسه حق الخوض في اختصاصات هي ليست من تخصصه، بخاصة وانه لم يدرس في معهد نفط، أو كلية تختص بشؤون الطاقة.. ولا أظن بأن سماحته كان قد عمل يوماً مهندساً، أو موظفاً في القطاع النفطي ولو لأسبوع واحد.. 

ألا يعلم هذا السيد الكريم أن الحديث والتحليل في اختصاص غير اختصاصه هو تجاوز على حقوق المعرفة، والعلوم، وثقافة الإدارة الحديثة التي لم يعد فيها اليوم مكان للارتجال، واستسهال التحدث، أو العمل في مواقع غير المواقع المخصصة لصاحب الحديث؟

والسؤال الأهم الذي أوجهه ليس لسماحة المتحدث فقط، إنما لكل من يقرأ مقالي هذا.. فأقول: إذا كان المعمم المختص بشؤون الدين والفقه والتبصير الإيماني يتحدث بقوانين النفط، والاستكشاف، والمخزون النفطي، والاستراتيجي. فبماذا إذن سيتحدث الخبير في النفط، أو العالم في الطاقة؟. أيسمح له سيدنا المعمم بالحديث في التفسير، والتبليغ، وشؤون الحيض، والارث، والزواج، والطلاق؟

وإذا كان السيد يسمح له، فهل يسمح هذا الخبير النفطي لنفسه بالحديث الفقهي، وهو الذي لم يجلس في درس واحد من دروس العلوم الفقهية؟.. هو سؤال أتمنى أن يجيبني عليه كل من يرى أن ثمة إجابة للسؤال!          

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان