قبل أن أصل الجريدة، استوقفني أحد الأشخاص في الشارع العام، قائلاً: ألست الأخ فالح حسونالدراجي؟
قلت له: أجل هو.. قال: ألا تعرفني؟
ضحكت، وقلت له: لا طبعاً!!
قال: كي ف لا، وقد قضينا سوية أعواماً في صف دراسي واحد؟
حاولت أن أنظر اليه بعمق.. وأن أتفحص ملامحه بدقة.. لكني لم أستطع معرفة هذا الرجل الذي أربكني في هذا الصباح الجميل..
قلت له: عفواً سيدي الكريم.. أنه حُكم الكبر..والعمر الطويل..
قال: لكني عرفتك، مع إننا في عمر واحد.. لم أجد جواباً لهذا الإحراج، فازددت ارتباكاً.. وحاولت الابتسام، لكن ابتسامتي تلاشت تماماً..
قلت له – وأنا أحاول تغيير الموضوع- مَن تتذكر مِن زملائنا الطلاب في متوسطة المصطفى؟
قال: أتذكر الشاعر كريم العراقي، والقاص عبد جعفر، والصحفي داود سالم، والطبيب جبار غضبان وغيرهم.
ضحكت وقلت له: ها أنك تتذكر المشاهير فقط، وتنسى مثلي الزملاء الآخرين!!
قال: لا لا.. أنا أتذكر الجميع، لكني عرضت لك هذه الأسماء المعروفة، لأنكم بصراحة مفخرة لمتوسطة
المصطفى، ولي، ولكل الزملاء.. شكرته كثيراً.. ثم قلت له: أين أنت الآن؟
قال: مُعلم تعبان!!
ثم أطلق بعدها ضحكة عالية، لها رنين وصدى خاص..
فقطعت عليه ضحكته، وقلت:
لقد تذكرتك.. أنت جمعة عبد الحسن صاحب الضحكة الخاصة..
فقل لي بالعامية الحلوة: لعد عرفتني من ضحكتي ها؟
قلت له: طبعاً طبعاً..
ثم رحنا نستذكر الزملاء واحداً واحداً.. فأنا أسأله،
وهو يجيبني عنهم، وعن سكنهم، وأعمالهم بالتفصيل، وكأنه يعيش بينهم. لقد أدهشني جمعة بذاكرته المتقدة التي تتذكر أصغر الأمور عنهم!!
فقد كان يتذكر فلاناً الذي اصبح مديراً عاماً.. وفلاناً الذي أصبح نائباً في البرلمان.. والاخر الذي صار عضوا
في مجلس محافظة بغداد.. وفلاناً الذي أستشهد في الحرب، وفلاناً الذي أعدمه المجرم صدام.. والآخر
الذي فقد ولده في تفجري ارهابي قبل عامين، وحين سألته عن نفسه، قال بحسرة وألم: أنا معلم كما قلت لك..
قلت له: لعد ليش بعدك لهسه معلم..؟
فضحك صديقي جمعة وقال: لعد شتريدني أصير نائب، لو مدير عام. لو مدير شركة؟
قلت له: أريدك ان تصبح كما أصبح زملاؤك الذين ذكرتهم لي!! قال: لقد كان هؤلاء الزملاء سياسيين، فبعضهم منحه صدام بركاته وصار مديراً عاماً.. والبعض الآخر منحته الصدفة بركاتها فأصبح مجاهداً، أو مناضلاً، ليكون بين ليلة وضحاها مسؤولاً مرموقاً في الدولة، أو نائباً في برلمان العراق الجديد.. أما الزملاء الذين حالهم مثل حالي، او أفضل بقليل فقد أصبحوا مدراء مدارس، او رؤساء أقسام في مديرية التربية!!
قلت له: وكيف أحوالك اليوم ياصاحبي؟
قال: أحوالي كما يلي؛ أنا وزوجتي وابنتي الصغيرة نعيش في بيتي الذي يقع في بغداد، أما ابنتي زهراء
فهي موظفة في دائرة التقاعد، وهي متزوجة ولديها أطفال.. في حين أن ابني الحسن يعمل مهندسا زراعيا، ولديه عائلة كبيرة تجعله في ضائقة مالية مستمرة، حتى أني أساعده أحيانا رغم وضعي المادي السيئ، وليس لديَّ أكثر من هذا كي أضيفه على هذه الكوميديا السوداء!!
وفي خضم هذا السرد الطويل، انتبه صديقي الى ان وقفتنا في الشارع العام قد طالت، وإن ثمة احتمالات كثرية قد تحدث في هذا الوضع الأمني الخطر، لذلك قال ضاحكا: حبيبي فالح، سويتها عليك اليوم فيلم هندي.. وما أريد أضوجك أكثر بعد..
ثم سألني قائلا: زين انت هسه وين.. بالعراق لو بأمريكا؟
قلت له: آني بالعراق صار فترة طويلة..
فقال: ممتاز.. يعني راح تنتخب مو؟
قلت له: نعم آني أنتخب..
ثم سألته وأنا أحاول استفزازه: طبعا انت ماتشارك
بالانتخابات مو؟ فأجابني بغضب: ليش ما أشارك..
شنو آني مو عراقي؟
ثم أكمل كلامه قبل أن أجيبه: لا والله راح اشارك اني وعائلتي.
قلت له: لمن ستعطي صوتك.. واعذرني ان كان سؤالي
ليس في محله؟.
قال: بالعكس سؤالك في محله، ويجب ان تسألني هذا
السؤال، خاصة وانك صحفي.. وجوابي: سأنتخب صندوق الإسكان!!
ضحكت وقلت له: هاي شنو حزورة أبو الحسن، ليش هو صندوق الإسكان راح يشارك بالانتخابات؟
قال: نعم راح يشارك من خالل مشاركة مديره برهان الدين البصام..
قلت: لماذا تعطي صوتك لهذا الرجل؟
قال: لسبب مو سياسي، ولا اجتماعي، ولا أي شي من هذا النوع.
قلت له: لعد ليش تنتخبه يا أخي؟
قال: أنتخبه لأن هذا الرجل منحني وطنا.. فالبيت هو وطن كامل الوطنية، هل تصدق مث الً لو قلت لك بأني قضيت ثلاثة أرباع عمري أسكن في الإيجار، ولولا هذا الصندوق لما وجدت بيتا لي ولعائلتي، حتى لو عشت ألف عام.
ثم التفت نحوي وقال: وانت لمن ستعطي صوتك ياصديقي العتيق؟ ضحكت وقلت له: سأعطيه الى (…..)، ثم أدرت وجهي ومضيت.


