فالح حسون الدراجي
وأنا قادمٌ الى الجريدة، حيث أمر مثل كل يوم على مناطق عدة في بغداد.. واقطع شوارع عديدة فيها، فلا أجدُ ما يثير اهتمامي غير الازدحام المُّمل، والتجاوزات التي يقوم بها بعض الأخوة السواق، خصوصاً (سواق) السادة المسؤولين، وبعض المتسولات الوافدات من سوريا الشقيقة، ولا شيء غير ذلك.. لكن أمراً لفت انتباهي خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، إذ رأيت في الشوارع، والساحات أعداداً كبيرة من المشاة المتشحين بالأسى والسواد، والحاملين بيارق الشهادة الكربلائية، ورافعي الأعلام الدالة، والرامزة الى آل بيت النبي محمد صلى الله عليهم وسلم، يتقدمون نحو هدفهم بثقة واصرار وعزيمة، رغم التعب والجهد الواضح على وجوههم وأجسادهم.. في البدء لم انتبه لهذه المجموعات الكبيرة من الرجال والنساء والصغار، التي تزداد وتكبر كلما تقدمت صوب مركز المدينة، كما لم أتنبه أيضاً لتأريخ الأيام التي نحن فيها، كي أتذكر موعد ذكرى فاجعة استشهاد ابي الجوادين وباب الحوائج، موسى بن جعفر عليه السلام.. لكن صديقي الذي قرأ الحيرة على وجهي، أجاب على سؤال لم اسأله عن هذه المجموعات السائرة نحو جهة ما.. فأشار لهذه الذكرى المؤلمة..
إذن فنحن نعيش هذه الايام طقوساً موجعة، وذكرى حزينة مفجعة، طقوس عاشوراء الجرح الثاني لمحبي علي بن ابي طالب، وآل بيته الأطهار بعد عاشوراء الجرح الأول لكربلاء الحسين.. فها نحن في قلب الأسى لعاشوراء كاظم الغيظ، ذلك الساجد الراكع ليل نهار، والشهيد الذي صعدت روحه الى السماء بعد موت تنبثق من بين أسبابه خسة القتلة، وهم يدسون السم في إناء طعامه.. فأي حزن أكثر وجعاً من حزن مصيبة محبي أبي طلبة، موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام، مصيبة المحبوس لدى الطغاة سنوات طويلة دون سبب يذكر، سوى أنه ابن بنت رسول الله، وابن علي بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام!!
ولأنها عاشوراء ثانية، فقد قدسها المسلمون، ونذروا لها أرواحهم، فدفعوا من أجل احيائها الاف الضحايا على جسر الأئمة من قبل، ومن بعد!!
فكم مرة كانت في زمن الطاغية صدام، حيث تلقفتهم أيادي أوباش الشعبة الخامسة.. لتمضي بهم الى زنزانات الحبس المضيع والمهلك، أو الى مشانق الموت التي لن يعثر بعدها على جثة لاحد منهم.. حيث تنتظر جثامينهم الطاهرة مقابر صدام الجماعية.. هذا كان أيام البعث الصدامي عندما يُمنعُ على عشاق آل بيت النبي زيارة مرقد أبن بنت النبي في ذكرى استشهاده.. وبعدها كان للشهادة لون وشكل اخر، إذ ذهب الكثير من محبي (إبي طلبة) يقصدون مرقده المقدس، فتلقفتهم هذه المرة مفخخات الطائفية على جسر الائمة أيضاً، وكان ما كان من قصص وحكايات مفجعة يشهد لها هذا الجسر.. ولولا وقفة الفتى البطل (عثمان) من أخوته الجرحى والغرقى، لكان للجسر وفجيعته حديث آخر.. واليوم مازال محبو (علي) وآل بيته مصريَّن على ممارسة طقوس المحبة والوفاء والولاء والتضحية، حيث يأتون مشاة حفاة الى مرقد ابي الجوادين من الاهوار والجبال والقرى النائية.. يأتون زحفاً من ابعد محافظات واقضية ونواحي العراق، الى حيث يضيء قمر البغداديين موسى بن جعفر، ليعلنوا البيعة لهذا القمر الباهر، ويؤكدوا التبعية المطلقة لعلي وأولاده، وأحفاده الأتقياء.. فسلامٌ على موسى بن جعفر، باب الحوائج في ذكرى شهادته الطاعنة في الأسى.


