فالح حسون الدراجي
حين كان أهلنا يظلمون في عهد صدام الجائر.. كنا نقول أن ظلم العدو الحاقد مبرر، فهو أولاً عدو.. ثم أن أهلنا يسعون للتطوير، والتقدم، ويرومون الوصول الى القمة العالية.. بخاصة وهم ينجزون مقدمات احلامهم من أجل تحقيق الهدف الاسمى.. فكان صدام – وعصاباته – يرون في ذلك تحدياً لمكانتهم، ومواقعهم المميزة.. كما أن صدام وجماعته كانوا يفكرون فيما لو حقق هؤلاء الفقراء المعدمون حلمهم الكبير في التقدم والرقي.. إذ كم سيؤثر هذا التطور والتقدم على سلطاتهم الطائفية، والطبقية، والمناطقية..؟
لذلك حرص ذلك النظام على محاصرة مستقبل أهلنا في كل مجالات الحياة.. وجاهد من أجل تطويق أمنياتهم الخضر في كل مكان.. لكن شبابنا شبوا عن الطوق.. وخرجوا عن السرب القابع في زوايا التهميش، فكسروا بذلك قيود التضييق والحصار المفروض على تقدمهم العلمي والمهني والابداعي، فكان منهم العلماء النوابغ، والادباء والسياسيون الكبار والرياضيون النجوم، وكذلك الفنانون والمهندسون والاطباء والمفكرون.. وأقولها هنا بفخر، لقد هزم صدام أمام جبروت أهلي، ولم يستطع محاصرتهم إلا في مناصب الدولة العليا، حيث ظلت هذه المناصب محصورة بين فلان الفلاني، وعلان العلاني.. ولكي لا يكذبني البعض من أتباع صدام وزبانيته، أقول أن بعض المناصب البارزة كانت ترمى كالعظام لكلاب السلطة من الذين يقع عليهم الإختيار، باعتبارهم أسوأ ما في طبقاتنا ومحلاتنا وطيفنا المذهبي من أشخاص ليضعهم (براغي) في ماكنته الحكومية.. وهو حين يمنحهم مثل هذه الوظائف، فإنه يمنحهم من أجل أن يقولوا في إعلامهم: أن سلطتنا تضم الجميع!
اليوم وبعد أن سقطت سلطة الجور والتميز، وجاءت سلطة الشعب المنتخبة، لم يعد أي مبرر لظلم أهلنا.. ولا يحق لأي أحد أن يهمش أهلي الفقراء الكادحين من أبناء (الشروگية)- حيث يحلو للبعض تسميتنا- !!
اقول هذا الكلام وانا استقبل أمس ثلاثة من خيرة شبابنا جاءوا لمقر جريدتنا يعرضون مشكلتهم، ويعرضون الظلم والحيف الذي تعرضوا له من قبل (دولتهم) الديمقراطية، وحكومتهم التي كافحوا من أجل تحقيقها..
دخلوا الجريدة بثقة، وما أن قدموا أنفسهم.. وقالوا أنهم خريجو كليات الهندسة، وأنهم درسوا ونجحوا نجاحات متفوقة، وأن فيهم من أنجز مشروعاً هندسياً يستحق الفخر، وليس الشكر والتقدير فحسب.. حتى احتضنتهم بكل فخر وسرور، ولعل الاروع في الأمر، أن هؤلاء المبدعين أكملوا دراساتهم وهم موظفون يعملون في دوائر الكهرباء، ومؤسسات مماثلة..
إن هؤلاء العصاميين الذين جعلوني أتباهى بطبقتي الفقيرة التي أنجبت مثل هؤلاء الرائعين.. يعانون اليوم من مصيبة آلية القوانين والانظمة البالية، ويعانون من بقايا عقلية البيروقراطية التي كانت سائدة في نظام صدام.. ويعانون من ظلم تفسيرات العقول التي شاخت على كراسي الروتين، ولم تبدِّل سوى جلودها الناعمة من نظام الى آخر، من دون أن تتوقف عن وضع العصا في العجلة كي لا تسير الأمور حسب المسير الطبيعي ..
لقد درس هؤلاء المهندسون، ونجحوا، ليصبحوا بعد ذلك مهندسين يحملون اسم (المهندس فلان) مثل أي مهندس آخر .. وهو حق لهم صنعوه بجهدهم، وليس منّة من أحد، أو مكرمة من مسؤول.. لكن كيف يحمل هؤلاء المهندسون صفتهم الوظيفية، وفي وزارة المالية طبقة من الروتين المتجفف على رفوف الوزارة، منذ عهد نوح الى يومنا هذا.. نعم كيف يتمتع المهندس صبر وزملاؤه بحقهم الذي انتزعوه من أنياب الزمن فيحملون صفة (المهندس) دون أن تقف سيدة مثل (طيف سامي محمد) مدير عام دائرة الموازنة في وزارة المالية حجر عثرة في طريقهم، ودون أن تفسر السيدة كريمة، أو السيد جبار وحيد حسن مدير عام الدائرة القانونية هذه الفقرة او تلك بما يتلاءم ورغباتهم الروتينية التي تتقاطع مع أحلام هؤلاء العصاميين.. لذلك وضع هذا الطاقم (المجفف) في وزارة المالية أحلام الاف المهندسين من الذين حصلوا على شهادة البكالوريوس، أو الماجستير، أو الدكتوراة اثناء خدمتهم الوظيفية في (المشمش)!!
واليوم لم يعد أمام هؤلاء من أبناء (أهلنا) المتفوقين الصابرين من باب سوى جريدة (الحقيقة) يشكون لها همومهم، ويعرضون عليها بلواهم.. بخاصة وإن طاقم القانونية والموازنة في وزارة المالية بات يفسر القانون على هواه، فتارة يطلب من المتخرجين تعهداً خطياً بعدم المطالبة بحقوق الخدمة الوظيفية السابقة، ولا بالدرجة الوظيفية قبل حصول الشهادة وتغيير العنوان.. وتارة يصدر قراراً جائراً آخر، ليصدر قانوناً معدلاً له.. أو يصدر تفسيراً عجيباً لهذا القانون.. يعني مصَّخوها الجماعة كلش! وهكذا بات وضع هؤلاء العصاميين وعوائلهم بيد وزارة المالية لا بيد أحد آخر!!
لذا وقبل أن نتوجه الى دولة رئيس الوزراء نوري المالكي، ونطلب منه النظر بعين المسؤولية للخريجين اثناء الخدمة الوظيفية، من الذين مازالوا يحملون عناوينهم السابقة دون تغيير، رغم شهاداتهم الهندسية والعلمية، وقبل أن نطلب من دولته إسناد هؤلاء الفرسان الذين تغلبوا على مشاكل ومعوقات إكمال دراساتهم بعد رحيل النظام الصدامي، نطلب منه دعمهم في مواجهة حيتان وزارة المالية، وآفات البيروقراطية.
سأطلب من معالي وزير المالية الدكتور صفاء الدين محمد الصافي، وأقول له بعد أن عجزنا عن توفير الحل لهؤلاء المظلومين: أسرع لهم سيدنا أسرع ..
ترى والعباس انلاصت!!


