فالح حسون الدراجي
الموت قانون حق نافذ وملزم وحتمي على الجميع دون تمييز.. وهذا أمرٌ لا يختلف عليه عاقلان.. ولأنه قانون حق لا يمهل ولا يهمل، وإن معادلته الأبدية لا تتوازن وتكتمل دون توفر عنصري الميلاد والموت، وإن دورة الحياة والوجود لاتتواصل دون هذا (الموت) الإلزامي، ولأنه أمر الله الذي لا مفر منه، فقد أطاع النبي العظيم محمد أمر ربه من قبل، وسلم الروح لبارئها بسلام، ومثله استجاب أيضاً الإمام العظيم علي بن أبي طالب لأمر خالقه.. فأخفض رأسه لسيف المنية دون أن يرفعه. ولولا علِم الإمام بأن في هذا السيف أمر الله، لما تمكن بن ملجم ولا ألف مثله من النيل من أشجع الشجعان، وداحي باب خيبر علي، وكذلك فعل الحسين الخالد.. بل أن الحسين العظيم مشى بقدميه الشريفتين لأجله المحتوم قبل أن يأتي اليه هذا الأجل.. وهناك النفوس الزكية لعدد غير قليل من الأنبياء، والأولياء والعظماء التي رجعت لربها راضية مرضية.. هادئة هانئة.. نعم الموت حق، وهو أمرٌ من الله، وكتابه لا يرد ولا يعصى، لكنه في ذات الوقت مؤلم ومفجع، وخسائره تكون في بعض الأحيان كارثية.. وإذا كان الحديث عن خسارة الإسلام بموت النبي محمد، وبرحيل الإمام علي، والحديث عن ضياع الأمة بفقد الأئمة المعصومين عليهم السلام لا يضيف لهذه الكواكب الربانية المضيئة شيئاً. لأنها لاتحتاج الى التذكير، أو الإرشاد لعظمتها الكونية التأريخية باعتبار أن هذه الاستثناءات الفذة، هي قناديل نور سماوية، تظل ساطعة الى الأبد، مهما اشتدت ظلمات الكون. أما التذكير بفقد بعض الشخصيات والعبقريات البشرية من غير الأنبياء والأولياء فهو أمرٌ وارد ومطلوب دائماً. ليس لأننا نواسي أنفسنا بفقدان هذه الشخصيات فقط، إنما لكي نضيء بنور إنجازاتها دروب الأجيال الجديدة، فنجعلها مثل لافتة فوق رؤوسنا جميعاً، نستلهم منها الدروس والعبر.. لذا فإن التذكير بخسارة المجتمعات بفقدان الشخصيات البارزة أمرٌ مستحب وواجب معاً .. إذ كم خسرت الهند بموت غاندي، وكم خسرت أفريقيا برحيل مانديلا، وكم خسرت أمة العرب بفقدان الجواهري، وكم خسر العراق برحيل الزعيم عبد الكريم قاسم، وجواد سليم، والسياب، والدكتور أحمد الوائلي، والبياتي، والقبانجي، وعمو بابا، وعبد كاظم، وكاظم إسماعيل الكاطع، ومحمد سعيد الصكار، وفؤاد سالم، ومحمود البريكان، وغيرهم من نجوم الحياة، والمعرفة، والعلم.. لذا فإن الموت – الذي هو حق – يأتي الينا أحياناً بغير حق، فيأخذ منا ونحن في ظلام دامس قمراً كنا نستنير به، أو يخطف منا سيفاً وحيداً كنا نقاتل به أعداءنا، أو يكسر قلمنا الوحيد الذي نكتب به قصص أحلامنا وآمالنا وتطلعاتنا، أو تراه يفجعنا بقطف عُمرِ كبيرنا وحكيمنا وعاقلنا، فيتركنا – نحن المجانين – كقطيع بلا راع.. أليس الموت في مثل هذا الحالات ظالماً لا عادلاً.. وباطلاً لا حقاً.. وإلاّ ماذا تسمون هذا الموت الذي كسر ظهرنا أمس حين أخذنا على حين غرة، ونحن منغمرون في مشاغلنا، ليسرق منا قمرنا المضيء ومعلمنا الكبير، وعمَّنا الذي لا عمَّ قبله ولا بعده. قولوا لي ماذا نسمي الذي يأخذ منا (أبيضنا) في مثل هذه الأيام الحالكة السواد. ويقهرنا، ونحن في أحوج الظروف اليه، والى حكمته وعلمه ودروسه وشجاعته ووطنيته، ومحبته الوفيرة التي تسع لكل العراقيين ..؟ نعم فالعم حسن ضمد (أبو حسام) الذي رحل عنا في الأسبوع الماضي، لم يكن شيخ عشيرة فحسب، ولا سليل بيت وطني كبير كان قد تخرج منه شقيقه الثائر الوطني الشهير فعل ضمد فقط، ولا هو شخصية اجتماعية، وثقافية ورياضية محبوبة، ومحترمة في الأوساط الشعبية والرسمية فقط أيضاً.. إنما كان الرجل بيرقاً عالياً ترفعه جموع العشائر بفخر واعتزاز في كل مكان، وتمشي خلفه سرايا الشرف متباهية بقدوتها الذي يمشي أمامها، وببيرقها العالي الكبير.. نعم، الموت حق كما قلنا قبل قليل .. لكنه لم يكن على حق حين أخذ منا أبا حسام أمس.. إذ سيظل زعلنا عليه طويلاً.. لأنه جاء في غير وقته أولاً، ولأنه لم يتح لنا الفرصة لنرتوي من ينابيعه الطاهرة ثانياً.. وإذا كنا سنغفر لهذا الموت خطيئته بخطف أبي حسام من بين اهله ومحبيه، باعتبار أن الأمر مكتوب ومقدَّر، فنحن لن نغفر له خطيئته قط، وهو يستعجل برحيل الرجل قبل أن تصل الطائرة بولده حسام، الذي جاء مسرعاً من امريكا لوداع والده، ومعلمه قبل الرحيل.. فهل كان الأمر صعباً على الموت لو أنتظر مثلاً ساعات قليلة، كي يلحق الولد الأكبر بأبيه الراحل، ليودعه الوداع الأخير ..؟ أما أنا، فقد كان عزائي في أن الفقيد الغالي قد أجابني تلفونياً قبل رحيله بثلاثة أيام، عندما أتصلنا به أنا وولده حسام، وسألته إن كان يعرف صوتي أم لا، فقال بصوت مخنوق: أنت حبيبي فلوحي.. شلونك عمي.. شلون أخوك حسام؟


