الإفتتاحية

مدينة (آمرلي) لينينغراد العراق الصامدة!!

فالح حسون الدراجي

   لا أكتمكم سراً لو قلت بأني شعرت بالإهانة القصوى وأنا أشاهد بعيني هؤلاء الأوباش القادمين من مغارات الظلمة، والطالعين من بطون أقذر الملل البشرية يعتدون على أنظف كائنات الله، وأحلى مخلوقاته قاطبة حتى شعرت بالذبحة الوطنية، والسكتة الأخلاقية لما حصل ويحصل.. لقد شاهد العالم كله معي، ورأى كيف يلوث وينجس هؤلاء الداعشيون منابع الحب والجمال العراقي في الموصل وتلعفر وسنجار، وغيرها من مدن الحضارة، والتنوع العراقي الفريد، وكيف يفتك هؤلاء السفلة بأروع، وأحلى ما خلق الله على أرض الإنسانية: العراق والعراقيين..!!

    أنا خجل من هذا الوضع المهين كعراقي تداس أرضه بصلافة، ولا أخفي عليكم فإن الإهانة كانت تذلني من رأسي حتى قدمي.. لكن الله رحيم كريم حين منَّ عليَّ وعلى من كان مثلي مجروحاً بسكين الإهانة الوطنية، وموجوعاً بغطرسة كلاب الدواعش، فرزقه، وأكرمه بقوم بواسل من أبناء دمه الشريف، رفعوا بالعزة رأسه، ورؤوس العراقيين، وبيَّضوا وجوه الجميع بصمودهم الأسطوري الوطني الذي يستحق أن يدرَّس في أرقى جامعات النضال، والصمود والبسالة في العالم.. وأقصد  بسالة أهلنا الشيعة التركمان الصامدين اليوم في مدينة آمرلي البطلة.. 

    لقد أصبح  صمودهم اليوم حديث العالم كله، وليس حديث العراقيين فحسب، حتى أن الوكالات الإعلامية العالمية، والمواقع الإخبارية والتحليلية، اهتمت بهذا الوضع المميز لهذه المدينة، وصارت تحكي بإعجاب عن صمود هذه المدينة الصغيرة، وبسالة أهلها دون غيرهم.. حتى بدأ السؤال يخرج عن دائرة الهمس الى دائرة الإتساع والطرح العالي، فيقول أحدهم مثلاً:  لماذا ينجح الشيعة التركمان في مدينة آمرلي رغم محدودية عددهم وعدتهم، بينما يخفق غيرهم رغم الإمكانيات الواسعة والكبيرة؟  

وللأجابة عن هذا السؤال أضع تقريراً نشره أمس موقع (ميدل ايست أونلاين) الشهير، يظهر الأمر الذي جعلني فخوراً بهؤلاء الصامدين الأبطال.. اليكم بعض ما جاء في التقرير نصاً:- 

(يسيطر مسلحو داعش على 34 قرية موزعة حول ناحية امرلي، غير ان المدينة الصغيرة ذات الغالبية الشيعية التركمانية شمال بغداد لا تزال تقاوم اطول واشرس حصار عرفه العراق خلال الازمة التي يمر بها. وفي اجواء الحر الشديد في فصل الصيف، وبدون كهرباء وماء، وتراجع احتياطات المواد الغذائية والأدوية، يبدو ان دفاع قوات حكومية وأخرى من العشائر لن يفلح في حماية هذه المدينة الصغيرة الواقعة على بعد 160 كيلومترا شمال بغداد، والتي تضم حوالي عشرين الف نسمة. وهنا يقول ابو زهراء – وهو عامل في منتصف العمر- “نعيش وسط حصار منذ حوالى شهرين ونقاتل ارهابيين يريدون ان يقضوا على اهل المنطقة الحقيقيين التركمان الشيعة”.

   ورغم الارهاق الذي يبدو عليه، ورغم اصابته في ساقه خلال الاشتباكات يرفض ابو زهراء كغيره من المقاتلين في امرلي الحديث عن آلامه، خوفا من التاثيرعلى معنويات اهالي الناحية. وقد انتشرت جثث مسلحين عدة من تنظيم الدولة اللاإسلامية في الحقول المحيطة بناحية امرلي. وقال عبد الله شكور زين العابدين عضو مجلس الناحية وهو يستلقي على فراشه، ويضع منديلا حول جرح في عنقه: “إنهم يهاجمون بأعداد كبيرة لكن ما يوقفهم هو شجاعة مقاتلينا” .واكد ان كل ما نريده من الحكومة المركزية هو ان يرسلوا لنا مزيدا من السلاح.

   من جانبه، قال علي البياتي رئيس جمعية حقوق التركمان: “لآمرلي رجال اشداء لكن المشكلة، الان مع الاطفال والنساء والمرضى، اضافة الى الشيوخ.. وحتماً فإن هؤلاء بحاجة لمساعدات انسانية”.

ويقول وهاب صالح (40 عاما) الذي يعمل في شركة لإنتاج النفط: “نشرب مياه غير معقمة من الابار، ما سبب اسهالا لدى كثير من الاهالي، ولم يتبق حتى علاج في مستوصف الناحية.. وأضاف بأن الاطعمة التي تنقلها الينا المروحيات غير كافية”. واشار الى ان “مربي الحيوانات ذبحوا مالديهم من مواشٍ لتامين الطعام للاهالي”.

والغالبية العظمى من رجال آمرلي حملوا السلاح للدفاع عن الناحية. لكن حوالى 400 منهم فقط مدربون. وهم يتعرضون لقذائف الهاون ورصاص القنص ليصدوا هجمات ماتسمى “الدولة الاسلامية”، بحيث لم يعد هناك ما يكفي من طعام للمقاتلين.. والمهم الذي يقال هنا أن صمود آمرلي يصلح لأن يكون مثالاً لصمود مدن اخرى.. حيث يقول أحد الصامدين في مدينة آمرلي: اذا كنا قادرين على ضرب داعش هنا، فهذا يعني إننا قادرون أيضاً على فعل ذلك في جهات اخرى”.

    انتهى النقل من التقرير الذي نشره موقع (ميدل أيست أونلاين)، وقد لفت نظري ما جاء في آخره حين قال (يصلح صمود آمرلي ليكون مثالاً لصمود مدن عراقية أخرى). وأنا أقول نعم، لأن صمود هذه المدينة الصغيرة بوجه عصابات داعش كل هذه الفترة، ووسط هذه الظروف العسكرية والسيكولوجية والمعيشية الصعبة ولاسيما إنها المدينة الوحيدة الصامدة وسط مدن (ساقطة) عسكرياً، سيمنح دون شك وهجاً معنوياً للمدن العراقية المحتلة، لتنهض مرة أخرى وتزيل الإحتلال الفاشي المتخلف، وتدفع بالمدن الأخرى المقاومة للصمود.. 

     لقد تذكرت (بملحمة صمود مدينة آمرلي)، ملحمة صمود مدينة (لينينغراد) السوفيتية بوجه الحصار النازي الألماني إبان الحرب العالمية الثانية، والذي دام تسعمئة يوم، حيث خسر فيها اهالي هذه المدينة الباسلة دماء كثيرة لكنهم في المقابل ربحوا المجد العظيم، الذي بفضله تحقق النصر السوفيتي الحاسم على جيوش هتلر، ولتنته بسبب هذا الصمود كل الحرب الدامية.. فهل سيكون صمود آمرلي مفتاحاً للنصر العراقي الحاسم على جيوش داعش، مثلما كان صمود ليينغراد مفتاحاً للنصر السوفيتي على النازية، وينهي الحرب العالمية الثانية؟ 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان