الإفتتاحية

بلابوش دنيا!!

فالح حسون الدراجي 

مرَّت قبل عشرة أيام الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل الشخصية العراقية اللامعة شمران الياسري (أبوكَاطع) ، ومن المؤسف، بل والمحزن أن تمرَّ هذه الذكرى بصمت مطبق، لولا بعض الأصوات المُحبة، والتي لا يتجاوز عددها عدد الأصابع، قد كسرَّت بوفاء جميل هذا الصمت، وللحق فقد أثار هذا التجاهل المُريب لذكرى رحيل واحد من أهم مبدعي الثقافة الوطنية العراقية أسئلة لا تحُصى، واستفسارات لا تعد، وإذا كنا نعذر السياسيين العراقيين، لنسيانهم المناضل شمران الياسري، بسبب إدمانهم التاريخي على نسيان الآخرين، فإننا قطعاً لن نعذر الأدباء العراقيين على تجاهلهم الغريب لذكرى رحيل واحد من أهم الروائيين العراقيين، ذلك الروائي الذي يكفيه فخراً أنه الوحيد في تأريخ الأدب العراقي، الذي أشترى القراء جميع نسخ روايته، ودفعوا ثمنها قبل ان تطبع، على الرغم من أن أجهزة النظام الدكتاتوري السابق رفضت تعضيد نشرها، لقد أتحف أبوكاطع المكتبة العراقية، وكذلك الذاكرة الشعبية عام 1972بعمل أدبي فخم، جعله رباعية فنية ضمت أربع روايات باسم (فلوس أُحميد وغنم الشيوخ وبلابوش دنيا والزناد. وقد كتب عنها نقاد وكتاب وروائيون كثيرون، حتى إن الروائي الكبير غائب طعمة فرمان كتب عنها يقول:- (حين قدم لي أبو كاطع دفتراً فيه هذه الرواية ورحت أقرأ فيه، بدأ يتنامى في خيالي عالم متجسد رحب، مغمور بأنفاس الريف وأناسه، صنعه قلم ذو دراية ممتازة بما يريد أن يقول، وحب عارم للوسط الذي يصوره، ومعرفة مستيقظة بكل خبايا الحياة الريفية، وخبايا سكانها الواقعيين، الى حد إحساس القارئ بانفاسهم تدفئ قلبه) !! وإذا كان شمران الياسري روائياً ذا حس وطعم روائي متفرد، فأنه أيضاً كاتب عمود صحفي لايبارى، فقد كان عموده (بصراحة) المنشور في الصفحة الأخيرة من جريدة طريق الشعب في السبعينيات، يمثل مشكلة كبيرة للنظام الدكتاتوري، فكثيراً ماكانت أجهزة السلطة توقف أصدار هذه الجريدة بسبب مقالة لأبي كاطع، حتى وصل الأمر بصدام – وبعد أن ضاق ذرعاً بعمود أبي كاطع – الى أن يرسل يوماً أحد أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث، لينقل رسالة قصيرة لممثل الحزب الشيوعي في اللجنة العليا للجبهة الوطنية تقول (إن السيد النائب يخيِّر قيادة الحزب الشيوعي بين أمرين: أما الجبهة الوطنية، وأما أبوكَاطع)!.
لقد كان أبو كاطع بحق اديباً كبيراً بالقياسات الفنية، والوطنية، والحسية المتميزة، ناهيك عن كونه كاتباً مقروءاً بامتياز، لذا فأن نسيانه وعدم تذكره من قبل الأدباء العراقيين يوم رحيله أمرموجع ومحزن، وللحق فأن العتب المُر لا يتوقف عند عتبة الأدباء العراقيين فحسب، بل يجب ان يصل الى الاذاعيين العراقيين أيضاً (فأبو كَاطع) كان مدرسة إذاعية كبيرة، وفناً وطنيا ملتزماً، فهذا الفلاح البسيط الذي جاء من ريف الحي في (لواء الكوت) الى مبنى الإذاعة في الصالحية في مطلع ثورة الرابع عشر من تموز، لم يكن يفكر قط في أن يصبح نجماً إذاعياً، بقدر ما جاء متحمساً لدعم الثورة الفتية، ولكن – ودون اي تخطيط – أصبح برنامجه (إحچها بصراحة يبو كَاطع) أشهر من نارعلى علم، حتى ان المذيع الشهير حافظ القباني كان يحرص على تقديمه بنفسه للمستمعين في بثه، إذ أصبح هذا البرنامج وبسرعة فائقة محط أعجاب وانتظار المستمعين في كل مكان، حتى أن الفنان الكردي المعروف فلك الدين كاكه، والذي شغل منصب وزير الثقافة في حكومة كردستان قبل أن يتوفاه الله قال عنه :ـ
لقد كان الكرد ينتظرون برنامح أبوكاطع مثلما كان ينتظره فلاحو الجنوب والوسط)!!
وأخيراً أقول:-  لا بأس أبا جبران ..
لا بأس أبا فائز
لا بأس أبا أحسان ..
لا بأس أبانا جميعاً نحن صياغ الحرف الشعبي ..
فمجدك أن الناس لا تنساك أبداً .. يا أبا كاطع،
 وبلابوش دنيا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان