الإفتتاحية

أحكي لكم عن مقداد!!

فالح حسون الدراجي

قبل أقل من سنتين، جاءني سكرتير تحرير جريدة الحقيقة السابق الزميل والصديق العزيز علي عبد الزهرة حاملاً بيده مادة صحفية رياضية، وقد كنا وقتها نعاني من نقص في الكادر الرياضي للجريدة، وخصوصاً كتبة التقارير الرياضية، فكنت أوصي الزملاء العاملين في الحقل الإعلامي الرياضي برفدنا بالطاقات الصحفية الرياضية الشابة، شرط أن تكون هذه الطاقات موهوبة.. تحب العمل الصحفي، ولديها الإستعداد للعمل والتطور أيضاً. وكانت حاجتنا الى محررين يخرجون الى الملاعب، والأندية، واللقاء بالرياضيين، والمسؤولين، وجماهير الرياضة في الهواء الطلق أكثر من حاجتنا الى محررين يجلسون في مكاتب الجريدة المخنوقة بالزحام، والمعبأة بالمدخنين.. قرأت المادة التي جلبها علي فأعجبتني، وطلبت نشرها في العدد.. وكانت هذه المادة لفتى شاب أسمه (مقداد).. ومن الطبيعي أن لا أسأل عن مقداد، أو عن مكان عمله، لأني كنت أعرف أن لعلي عبد الزهرة (گروب) يضم مجموعة طيبة ونقية من الصحفيين الوطنيين التقدميين الشباب لاسيما وأن علي واحدٌ منهم، ومن نفس أعمارهم الغضة. وفي اليوم الثاني قدم لي الزميل علي مادة رياضية أخرى لمقداد، فنشرتها أيضاً، وفي اليوم الثالث جاء مقداد مع علي الى الجريدة.. قدمه لي قائلاً: هذا مقداد يا أبا حسون!! نظرت اليه بحفاوة وفرح وكأني أنتظر مجيئه، على الرغم من أني لم أكن اعرف بذلك.. صافحته، فصافحني بثقة، وقوة.. نظرت لعلي عبد الزهرة، فأبتسم علي وقال: “ابو حسون تره مقداد من (ربعنه)”. قلت له ضاحكاً: يعني شنو من ربعنه.. لأن هاي الكلمة حمالة أربعة وجوه.. فمن ربعنه تعني شيوعي، وتعني شيعي، وتعني شروگي، وتعني شاعر شعبي.. فمقداد من ياهي بيهن؟ فهتف مقداد وقال: عمي والعباس كلهن!! ثم أكمل قائلاً: آني شيوعي وملتزم، وأموت على علي بن ابي طالب، وشروگي من العمارة، وأبوي شاعر شعبي صديقك اسمه حسن العبودي.. فاحتضنته، وقبلته.. وأمرت بتعيينه محرراً في الحال.. ومن تلك اللحظة ومقداد يسكن قلبي أخاً صغيراً – رغم أنه يناديني عمي – وزميلاً عزيزاً، ورفيقاً نشيطاً مخلصاً.. وللحق فإن جميع من في الجريدة أحب مقداد ولست وحدي من أحبه.. وحين جاء الزميل والشاعر الكبير عدنان الفضلي للعمل مديراً للتحرير في (الحقيقة)، أعطى لمقداد اهتماماً اكثر مني، رغم إني رشحته لدورة صحفية تطويرية أقامتها نقابة الصحفيين العراقيين في جورجيا متخطياً بذلك الكثير من الزملاء الذين سبقوه في العمل بالجريدة، ثم قدمته مرتبة متقدمة حين جعلته سكرتيراً للتحرير، ورفعت من راتبه الشهري.. لقد تمكن مقداد بطيبته وطاعته ونشاطه من التقدم سريعاً، بحيث بت أعتمد عليه كثيراً.. وحين سافر مقداد الى ايران كنت زعلاناً عليه بعض الشيء، لكنه بعث لي برسالة سأنشرها، يقول فيها : عمو بروح خيون ابو سلام، أريد يومين زيادة على أجازتي، أريد أشبع من هواء ايران العذب!! لكن مقداد لم يتمتع بكل ايام اجازته المقررة، ولا باليومين المضافين لها، ولم يتنفس أياً من هواء ايران العذب كما يقول، وعاد الينا بتابوت كنت واحداً من الذين استقبلوه في مطار بغداد امس.. مقداد كلمة ليست اخيرة اقولها لك: هذه ليست مقالتي التي أرثيك فيها، لأن في قلبي من الأسى والحزن عليك كربلاء.. وسأتفرغ لهذا الحزن يوماً فأكتب عنك قصيدة، أو ملحمة مثل ملحمة المقابر الجماعية، أو مقالة (تشفي القلب) أو ربما سأكتفي بأن أقف في باب مقر الحزب الشيوعي العراقي وأصرخ بكل قوة: مقداد وينك ولك!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان