فالح حسون الدراجي
قبل أن أبدأ الكتابة عن مسلسل (سامكو)، طرحت على نفسي سؤالين هما:- هل تصلح الكتابة عن مسلسل تلفزيوني أن تكون مقالاً إفتتاحياً لجريدة سياسية، والآخر:- هل يصلح الكاتب السياسي – حتى لو كان شاعراً – لكتابة مقال فني عن مسلسل تلفزيوني؟
وقبل أن أفكر في الإجابة عن هذين السؤالين، أمسكت بالكيبورد، ورحت أكتب مقالي الإفتتاحي هذا، الذي سيكون سياسياً واجتماعياً وفنياً في آن واحد.. وعندما يكون المقال مطرزاً بهذه النجوم الثلاث، فهو يصلح حتماً أن يكون إفتتاحية لجريدة سياسية أو أي جريدة أخرى.
وللحق فإن الفضل لن يعود لي في هذا المقال، الذي جمعت فيه ثلاث غايات مختلفة، سياسية وفنية واقتصادية، إنما يعود لشبكة الإعلام العراقي، المتمثلة بمديرها العام محمد عبد الجبار الشبوط، الذي أمر بدعم المنتج الدرامي العراقي عبر فتح (حنفية) ميزانية الصرف المالي على إنتاج أعمال درامية عراقية راقية، تتلاءم ووعي المتلقي العراقي الجديد، وتتناسب مع مستوى الأعمال الدرامية المنتجة في مصر، وسوريا، ولبنان، وتركيا، وايران والهند، وغيرها من البلدان المتقدمة فنياً، إذ بفضل هذا الدعم السخي وبفضل شجاعة القرار الإداري الذي جازف، وغامر في إنتاج اعمال عراقية مكلفة، دون النظر الى النتائج التي سينتهي عندها هذا المنتج الفني بعد عرضه على الشاشات.. وهنا لا أنسى ذكر الحلقات الفنية والأدارية المحيطة بالشبوط، وهي كلها ذات أهمية فنية وانجازية مهمة ساهمت بإنجاح التجربة الأنتاجية الدرامية (العراقية).. وسأحاول الإبتعاد عن ذكر أسمائها، كي لا أقع في مشكلة الغفلة عن ذكر إسم ما من هذه الأسماء الجميلة..
ولعل الأمر الأهم هنا، هو إن هذه الإندفاعة الحماسية الإنتاجية من قبل إدارة شبكة الإعلام العراقي لم تتوقف عند مسلسل (سامكو) الذي جذبتني حلقاته الثماني، المعروضة على شاشة القناة العراقية هذه الأيام للكتابة عنه، إنما هناك أعمال فنية درامية مهمة أخرى، ستجذب حتماً المشاهد العراقي من تلابيب روحه وتقذف به نحو شاشة قناة العراقية ليتابعها، مثل رواية “وادي السلام” للكاتب المبدع أحمد سعداوي، والتي تم تحويلها الى مسلسل درامي، وكذلك “البنفسج الاحمر” الذي أخرجه فارس طعمة التميمي، وهو أيضاً عمل رائع يعرض هذا العام أيضاً.. لقد أفرحنا هذا التوجه الوطني نحو المنجز العراقي الفاخر، من قبل شبكة الإعلام، بعد أن كاد المشاهد العراقي ييأس تماماً من إمكانية تقديم عمل درامي عراقي (بيه خير)..
وعودة لعنوان ومقدمة المقال أقول : نعم أن الكتابة عن مسلسل سامكو تصلح أن تكون مقالاً إفتتاحياً لأن هذا المسلسل (سياسي) ضمناً، فهو يغوص في أعماق البيئة السرية للحياة العراقية بشقيها الرسمي السياسي والشعبي الأجتماعي.. وهو دراسة شديدة الوضوح لمعاناة جيل عراقي سحقته الحروب، ودمرته الحاجة والعوز وحطمته الحصارات، بعد أن تمكن السينارست الكبير ضياء سالم من رسم حياة الناس في العراق منذ عام 1992، حيث ولدت ظاهرة (سامكو) حتى سقوط النظام الذي أفرز هذا السامكو .. كما تمكن المخرج المجتهد أيمن ناصر الدين من قراءة خريطة الوجع المرسومة على ملامح هذه الجيل، على الرغم من مرور أكثرمن عشرين عاماً على ميلاد ظاهرة سامكو ..
لقد تمكن هذا المسلسل من تجاوز كل الخطوط الحمر المسموح بها درامياً، وتلفزيونياً (عراقياً)، ونجح في رفع العصابة السوداء عن أبصارنا، فأرانا ما لم نره من قبل قط، بحيث بتنا نقرأ الحياة العراقية في زمن سامكو بتعجب، ودهشة شديدة، وكأننا لم نعش تلك المرحلة بمآسيها وأوجاعها.. ولا أدري هل كانت أبصارنا مغيبة، أم أن ذاكرتنا هي التي غيبت بالخوف، والبطش، والإحتقار؟
واذا أراد التأريخ إستذكار بعض ما مر علينا في ذلك الزمن، وتدوينه كحقيقة مرة من حقائق زمن صدام القاتم، وطبعاً من خلال ما يعرضه مسلسل سامكو، وليس غيره، فإننا سنرفع قبعاتنا لمن كتب، وأخرج، وانتج هذا المسلسل الحديث، بخاصة وهو يرينا بوضوح زيف اولئك (الرفاق) وأكذوبة إشتراكيتهم التي كانوا يرفعونها في ثالوث عقيدتهم الخادع، فالرفيق أبو تحرير، والعشرات مثله كانوا عبارة عن أداة، بل (وصوندة) بيد سلطة صدام تجلد ظهورنا.. وكان البعثيون الصغار بأقلامهم الحادة أشد على أعناقنا من سيف الحجاج. ولعل الميزة الأهم في مسلسل سامكو، والتي تفرد بها برأيي عن (كل الوثائق) الأخرى الفاضحة للنظام، أنه أكمل إضاءة المشهد الدموي لمسرح السلطة الصدامية من كل جوانبه، فظهر الجميع أمامنا على حقيقتهم دون غطاء فتعرت العصابة أمام التأريخ بكل أعضائها صغاراً وكباراً.. ولم يعد صدام والجزراوي والدوري وبقية الجوق مجرمين لوحدهم، إنما تأكد للشعب العراقي – خاصة البسطاء منه – أن الماكنة القمعية قد سحقتنا بكل أجزائها (وبراغيها)، وليس بجزء واحد فقط !!
شكراً لسامكو المسلسل الذي أطلعنا على ما لم نطلع عليه من قبل، ولن نطلع عليه بعد الف عام.. إذ من كان يعلم أن سلطة صدام سافلة الى الحد الذي مسخت فيه هذا (الولد الحلاق) الطيب، الذي رأيناه يوزع الأموال على الفقراء فجراً في المسطر، فتحيله بقسوة الى كلب مثل كلابها الأخرى، وتجعله مجرماً وسافلاً مثل عدي وقصي ولؤي وغيرهم، من الذين يسرقون قوت الناس، ويزرعون في آلاف البيوت الفواجع بعد أن كانت عيونهم تحلم بالرفاء والفرح والحلوى والخبز الأبيض.. شكراً للعراقية ( العراقية فعلاً ).. وشكراً لكل من ساهم في صناعة هذه المفخرة الفنية الدرامية الباهرة ..


