فالح حسون الدراجي
بعد سقوط نظام صدام، وغروب دولة البعث البوليسية بأشهر معدودة، التقيت في دبي، (الرفيق) نايف الونداوي، أحد البعثيين الهاربين من العراق بعد التغيير الديمقراطي الذي حصل في التاسع من نيسان عام 2003، وبقدر ماكان هذا الرفيق (كلب إبن كلب) في تعامله مع الذين يختلفون مع أفكار (الحزب والثورة)، وبقدر ما كان مجنوناً بالعقيدة البعثية الصدامية، بحيث كان إسم (السيد الرئيس) لاينزل من لسانه لحظة واحدة، حتى أنه أسمى كل أولاده وبناته وبنات عماته وخالاته على أسماء عائلة صدام. وبقدر ما كان إسمه مرعباً في وزارة النفط، بحيث كنا (انا وبعض الموظفين المخالفين لعقيدته الحزبية) نتحاشى اللقاء به في ممرات الدائرة، ولا نود رؤية (خلقته الزفرة) بالمرَّة.. لذا فإني أقول رغم كل هذه الصفات الكريهة والقبيحة التي فيه، فقد كان نايف يملك لساناً لاذعاً ساخراً، ودماً خفيفاً، بحيث كانت النكتة على لسانه دائماً، وللحق فقد كنا نعجب من هذا التناقض الذي فيه، إذ كيف يكون هذا البعثي الطائفي القذر بهذه الروح الفكهة، وهذا الدم الخفيف؟ وعودة الى موضوع اللقاء الذي تم بيني وبينه مصادفة في دبي.. حيث قابلني بود وحرارة، ثم سلم عليَّ سلاماً (قوياً) متناسياً ما كان يفعله بنا في السنوات العشر التي كنت أعمل فيها موظفاً في النفط آنذاك، كما تناسى أيضاً تحقيقاته المستمرة معنا، وكأنه ضابط أمن أدب سز!
أردت أن أذكره بكل شيء، بما في ذلك (الألف تقرير) التي كتبها عني، وعن صديقيَّ أبي فرات، وأبي فرح، ونشاطاتنا، حتى لو كانت جلسة عادية في النادي!!
لذلك قررت في هذه اللحظة أن أنتقم منه بإسلوب لطيف، ومؤدب.. فقلت له: ها (رفيق) نايف.. خوش أخذناها منكم بالچلاليق؟
فضحك الملعون وقال: بالعافية عليكم.. بس أخذتوها بزود الأمريكان!!
قلت له: هذا كلام يفيدكم.. أخذناها منكم وإنتهى فيلمكم للأبد..
فعصر يدي، وقال: شوف أخويه العزيز، وداعتك راح تشبعون لطم، وترجعوها النه..!!
قلت له: البعث إنتهى.. ولا عودة لكم بعد اليوم..
فقال: الأيام حكم بيننا.. وراح تشوف شلون راح يرجع حزب البعث، وإنتم اللي ترجعوه بنفسكم.. مو واحد غيركم..
قلت له: فرِّح نفسك (رفيق نايف).. ثم غادرت المطعم، وانا (أدردم) مع نفسي وأقول: فال الله ولا فالك يمعود.. هذا المخبل شيگول.. شيرجعهم بعد.. هسه لو يجي القبيس!!
لقد تذكرت كلام البعثي نايف، وأنا أسمع هذه الأيام، أن حكومتنا الديمقراطية المنتخبة، تعكف على دراسة قرار الغاء قانون المساءلة والعدالة، ورفعه الى البرلمان للتصديق عليه، وطبعاً سيتم التصويت عليه في البرلمان بسرعة، لأن البرلمان ناقصه بس عزت الدوري، ويصير والحمد لله قيادة قطرية بعثية.. وبالتأكيد فإن القارئ الكريم لا يحتاج الى أن أسمي له الرفاق في مجلس النواب العراقي بالأسماء، لأنه يعرفهم واحداً واحداً. وأجزم بأن نصف (جماعة ربعنه) في مجلس النواب سيصوتون على الغاء المساءلة والعدالة، لأن قانون المساءلة هو بالأساس مستنبط من قانون إجتثاث البعث.. ثم جرى تحجيمه وترشيقه حتى أصبح بوضعه الحالي بإسم المساءلة والعدالة..
وبما إن البعثيين اليوم هم في صدارة المشهد السياسي والإعلامي والإقتصادي العراقي، وباتوا في صدارة المسؤوليات في مختلف مؤسسات ودوائر الدولة، بما في ذلك وزارة الدفاع المهمة، وكذلك في أغلب الأجهزة الحساسة، وبعد ان يتم الغاء قانون المساءلة والعدالة -وهو امر حاصل خلال أيام لامحال- فإن كلام الرفيق نايف ماض الى التحقيق.. وجلّ ما أخشاه أن ألتقي به، ولكن هذه المرة بمطعم في بغداد، وليس في دبي، او قد يحصل اللقاء في وزارة النفط، حيث سيعود أبو قصي أقوى مما كان.. ولحظتها سيقول لي، ووجهه الأصفر يقطر سماً: ها أخويه.. مو گتلك راح ترجعوها النه بيديكم؟!


