الإفتتاحية

أحرس وطني.. أم حرس قومي؟!

فالح حسون الدراجي

 

    لا أخفي عليكم، فأنا متخوف جداً، وقلق جداً من موضوع الحرس الوطني.. وجلَّ ما أخشاه أن يكون الحرس الوطني امتداداً إجرامياً للحرس القومي الذي شكل قبل نصف قرن من قبل الأوغاد البعثيين في العراق. وطبعاً فإن خوفي وقلقي لم يأتيا بسبب أوجه المقاربة الشكلية في التسميتين، خصوصاً وإن مناقشة قانون تشكيل الحرس الوطني في البرلمان العراقي هذه الأيام، تأتي متزامنة مع ذكرى (تشكيل) الحرس القومي الفاشي قبل نصف قرن، ذلك الحرس الذي قتل بلا رحمة، ولا وازع من ضمير، أعداداً كبيرة جداً من فقراء وشرفاء العراق.. ولم يكن هذا الحرس (القومي) يفرِّق في جرائمه الشنيعة تلك، بين رجل أو امرأة، ولا بين صغير أو كبير، فقد كان المهم عند أفراده أن يكون المرء قاسمياً من محبي عبد الكريم، أو  شيوعياً من محبي الجمهورية العراقية (الفتية)، أو يكون (شروكياً) من المعدان الذين جاءوا من الهند مع الجاموس قبل أكثر من ألف عام، حيث يقول عرَّابهم وزعيمهم القبيح صدام حسين!!
كان هذا كافياً لينال المرء أبشع أنواع القتل والحرق والتدمير على يد سفلة القرن العشرين من أتباع ميشيل عفلق.. لقد لعب الحرس الساقط أخلاقياً وسياسياً واجتماعياً، قبل نصف قرن دوراً مريعاً في إشاعة الرعب والخوف والهلع في نفوس العراقيين بمختلف أديانهم وطوائفهم بعد نجاح انقلاب الدم، البعثي القومي الاستعماري، في الثامن من شباط عام 1963 ، حيث تركت سيرة الحرس القومي، وأفعاله الإجرامية أثراً دامياً في ذاكرة الناس لا يمكن أن ينسى بعد مئة جيل. لذا فإن المطالبة الملحة والمتواصلة هذه الأيام، بتشكيل الحرس الوطني، ومن قبل بعض العناصر المشبوهة، والمعروفة، في توجهاتها، ومواقفها العدائية للوطنيين الأحرار، بمختلف ألوانهم المذهبية والسياسية الطيبة، والمعروفة أيضاً بارتباطاتها وعمالتها للدول المعادية للعراق الديمقراطي، خاصة وإن أغلب المطالبين بتشكيل الحرس الوطني اليوم هم أبناء مخلصون وبررة لأولئك الآباء المجرمين، الذين تآمروا قبل نصف قرن على ثورة تموز التحررية، وأطاحوا بحكم الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، وأسسوا آنذاك كتائب الحرس القومي الفاشي الذي ارتكب أشنع الجرائم بحق الناس الشرفاء، فسبحان الله الذي يكشف ما في نفوس المجرمين من خطط، ويفضح ما في أفكارهم الإجرامية من مؤامرات.. بعد أن تأكد لنا اليوم بما لا يقبل الشك أن الزمن مهما طال لم ولن يغير شيئاً من أخلاق وأهداف ونوايا الأشرار. فالحقد يسري في دمهم بتواصل عجيب، وكأنه ينتقل وراثياً بينهم من جيل الى جيل. فالحقد ذاته، والرغبة المجنونة في القتل، والذبح، والحرق ذاتها. ومن لا يصدقني، أدعوه الى أن يقلب سجل انقلابيي شباط، ويرى صفحات كتاب القتلة من أفراد الحرس القومي، ثم يقارن بينهم وبين ما يفعله بنا اليوم أبناؤهم وأحفادهم الأوغاد من كلاب داعش، وسفلة البعث. وأنا واثق بما لايقبل الشك أنه سيدرك دون الحاجة للتدقيق والتفكير  بأن (جماعة قبل وجماعة هسّه) هم إمتداد طائفي وسياسي وأخلاقي وطبقي واحد، وإن بين أولئك، (وهؤلاء) صلة (رحم)، وصلة حقد وكراهية متشابكة، لم يستطع الزمن الطويل إزالتها من قلوبهم، ونفوسهم المريضة والحاقدة، حتى لو لم يكن هناك من يخاصمهم، أو يعاديهم.. إنهم يتوارثون الضغينة والحقد بالتتابع، مثلما يتتابع العداؤون الرياضيون بتسليم العصا في ركضة الأربعة في أربعمئة بريد ( 4 في 400 بريد)، حيث يحرص كل عداء فيهم على تسليم العصا لمن يليه، ويأتي بعده بشكل مضبوط وسليم!!
إن الإصرار على تشكيل الحرس الوطني اليوم من قبل المشبوهين سياسياً وطائفياً واخلاقياً، وتزامن هذه المطالبة مع ذكرى الإبادة الجماعية التي أرتكبها الحرس القومي بحق العراقيين قبل اثنين وخمسين عاماً، يثير الشك والريبة في صدورنا حتماً، ويذكرنا سواء رضينا أم أبينا بذلك الحرس القومي الفاشي المشبوه.. ولأننا طيبون (وغشمة، وكَلوبنا بلون الثلج، ونصدكِ بسرعة) فإني أخشى من أن يكون هذا الحرس الوطني حرساً قومياً، او جمهورياً آخر، يعيد السلطة الى أوباش البعث مرة ثانية، ولكن هذه المرة ستكون العودة على جثث الجميع بلا استثناء. لذا فإني أتمنى على الأخوة النواب (المو من ذيج الصفحة) التروي قليلاً، والتريث المعقول، وعدم التسرع بالموافقة على تشكيل الحرس الوطني، فأنا والله أشم من حبر سطور هذا القانون رائحة الغدر، والنوايا الدموية، والعودة الى العهود البعثية الفاشية السابقة لا سمح الله!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان