الإفتتاحية

داخل حسن.. السومري الحزين

فالح حسون الدراجي

 

   داخل حسن السومري الحزين، أو (أبو كاظم) كما يحب أن يسميه أصدقاؤه وأهله ومحبوه، أو مطرب الوجع، ومغني العذاب، كما يسميه المتخصصون، والموسيقيون، وبعض الإعلاميين.. أما أنا فأسميه (ناي الأسى) الذي ينزف أنيناً وبكاء وغناء، وللعشاق، والشعراء الآخرين، والموجوعين في جنوب الله، واللائذين بصوته من رياح البعد، والهجر، والفراق المر، فلهم تسمياتهم الخاصة.. إذ أن لكل منا حصة في (كنز) داخل حسن، ولكل منا حق من إرث هذا الجمال النفيس والساحر. داخل حسن ليس مغنياً كبيراً فقط، مثل حضيري أبوعزيز وناصر حكيم وغيره من المغنين الريفيين، وغير الريفيين في العراق، ولا هو فناناً موهوباً فحسب، مثل عشرات الفنانين الموهوبين في مدن العراق المكتنزة بالمواهب والفنون والإبداع، إنما الرجل شيء آخر، شيء مختلف عن الفن والغناء والمواهب والإبداع، على الرغم من انه فنان كبير، وموهوب كبير، ومبدع متنوع كبير أيضاً. لكن المشكلة أن في داخل حسن سحراً لا يمكن للمرء اكتشافه دون أن يتعمق في أسرار صوته، وفي سريالية إحساسه الذي ليس له مثيل في كل الغناء العربي، إلاَّ لمن كان مثله في هذه الإشكالية السحرية الخرافية.. فداخل حسن كشكل وكمضمون يختلف كما قلت عن جميع الفنانين، فلا شكله براق، ولامع، ولافت للنظر، وشبيه بالفنانين الآخرين، ولا مضمون غنائه، أو جمال صوته، أو طريقة أدائه، أو حضوره المميز مشابه لزملائه، ورفاقه من مطربي جيله، أو الأجيال الأخرى. لذلك تجد الناس يحترمونه كثيراً، ويحترمون تميزه، ويعشقون لوعته وأساه، ويذوبون في كارثية بحة صوته.. فهذه البحة خصوصية مئة في المئة، منحها الله الى داخل حسن دون غيره، وكأن الله جلَّ جلاله أراد ان يعوضه في حلاوتها عن كل مآسي ومصائب وعذابات هذا الرجل، سواء أكانت طبقية أم اجتماعية أم عاطفية! لقد وهبها الله له فقط، كي لا ينافسه فيها أحد. فهذه البحَّة التي في حنجرة داخل حسن، اختزلت جميع أوجاعنا، وفواجعنا، من زمن السومريين، حتى زمن (النجيفيين إخوان).. وإلاَّ دلوني على حنجرة فيها مثل هذه البحة، ولكم كل المغنين في التاريخ بدءاً من المطرب الكبير حسن خيوكة، وانتهاء بالمطرب الكبير أحمد الانضباط!!
سأضرب لكم مثلاً واقعياً وعائلياً.. فوالدي الحاج أبو خيون رحمه الله معروف لأهالي مدينة الصدر بتقواه، وطهره، وإيمانه، فالرجل بدأ الصلاة والصيام منذ ان كان في التاسعة من عمره، وهذا أمر قلما يحدث في الريف العراقي قبل عقود من الزمان.. وعندما توفي والدي وقد تجاوز التسعين من عمره، لم يتأخر فرضاً واحداً عن صلاته، ولا مناسبة واحدة عن الزيارة، ويوم فقد بصره كان يبكي كثيراً، لا لسبب، إلاَّ لأنه لا يقدرعلى الذهاب الى حبيبه الحسين مثلما كان، وهذا الأمر يعرفه كل أصحابنا وجيراننا ومحبينا، فوالدي رحمه الله نجح في دينه، ودنياه، إذ كان يجمع بين التزامه الديني الصارم وبين عمله، وإعالة عائلته الكبيرة، وتربية أولاده وبناته تربية كاملة، فوفر لهم رغم شحّة رزقه أغلب ما يحتاجونه في دراستهم ومعيشتهم.. وملخص كلامي عن الوالد، فإنه رغم تشدده في الالتزام الديني، كان يسمع داخل حسن، ولا يسمع أحداً غيره قط. لقد كنت ألاحظه حين يسمع صوت أبي كاظم، يتقدم نحو الشاشة، وعلى وجه الخصوص بعد ان ضعف بصره، ثم يقرب أذنه من التلفاز، وما أن يقول داخل: (ويلاه ويلاه) حتى تبدأ دموعه السرية بالنزول على وجنتيه الطاهرتين. لقد كانت ثمة علاقة (خاصة) بين صوت داخل حسن ودموع أبي، وقد كانت هذه (العلاقة) محل دهشة واستغراب الجميع، فأبي (المتدين جداً)، ليس له في أمور الغناء، واللهو مقام ولا مقال، لذلك كنا نستغرب هذه العلاقة الإنسجامية الوثيقة بين صوت داخل، ومشاعر والدي النبيلة والصافية جداً. لقد رحل والدي وبقي هذا السر معه الى الأبد، ولم أستطع معرفته رغم علاقتي القوية معه، باعتباري الفرد الثاني في ذريته حسب الترتيب العائلي الكبير. وفي يوم من الأيام سألت أمي رحمها الله عن هذا السر، فقالت لي، إن أباك ينظر الى صوت داخل حسن بشكل مختلف عن غيره، فهو لا يعتبره صوتاً غنائياً تطريبياً مثل بقية الأصوات، إنما يعتبره من الأصوات المباركة، والمفجوعة لفقد عزيز، لذلك كان يبكي تضامناً مع وجعه، ومأساته، كما كان أبوك يعتبر صوت داخل قمة في السلوى، والصبر، والطمأنينة، والملاذ الآمن.. لقد كان يحبه كثيراً استثناء من قافلة المغنين، والفنانين الآخرين.
إذن، فقد كان والدي يحب صوت داخل حسن، لأن في هذا الصوت ملاذه، وهو الهارب من الأسى، والظلم، والخوف، والفقر، والمستقبل المجهول. وكان من الطبيعي أن أرث عن والدي الذي أحبه كما أحب الله، هذه الرؤية، وهذا الوعي الخرافي، فتخيلوا ان فلاحاً جنوبياً من أقاصي (كميت) يجد في صوت مغنٍ ملاذاً له من كوارث الأيام، وفواجع الأزمان. فتحية لصوتك، وبحتك الخرافية أيها السومري الحزين.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان