فالح حسون الدراجي
أمس رزقت بسعادة الزيارة لمرقد أبي الأحرار الإمام الحسين، وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام. وقد قاسمني هذه السعادة، ثلاثة من أحبتي المحظوظين مثلي. وهنا لا أريد ان أصف لكم ما تجلى في مشاعري من سمو، وجمال، وإحساس، وتخيل، وارتياح، وأنا أقف قبالة قباب الشرف التي تلمع في ضمائر الناس قبل ان تلمع في عيونهم، لأني عاجز أصلاً عن الوصول الى المستوى المطلوب، والمناسب لوصف مثل هذا الإحساس السريالي المدهش. فلا شاعرية في الكون قادرة على رسم الموقف وأنا في تلك اللحظة الإنسانية الجليلة، حتى لو كانت بحجم شاعرية عمنا المتنبي الكبير!
ولا خبرة صحفية – مهما كانت هذه الخبرة – تستطيع إيجاز معاني الصورة (الفوتوحسية) الساكنة في أعماق روحي البعيدة، فتنقلها لكم بجمل، أو كلمات معدودة.. فاللحظة كانت خرافية الفهم، وإشكالية في التوقيت، وصعبة في الوثوق ببقائها لثوان أخرى، ولا أقول لدقائق.. بخاصة وإن عصافير الجنة حطت مبكرة على الأشجار القريبة من مقام ابن فاطمة الزهراء، لتزقزق بأروع سمفونيات الصباح، وتجمِّل الدنيا لزوار الحسين المتيمين به، والقادمين نحوه من كل بقاع الدنيا، قبل قدوم الشمس (الحرة)، التي هي مثله حرة طاهرة أبية. وثمة من يقول أن الجنة نفسها جاءت الى الحسين وليس عصافيرها فحسب، جاءت لتقول له: صباح الخير أيها البهي كبهاء أبيك الذي لا شبيه له، ولا شريك له، ولا نظير له في كوكب الأرض، صباح النور أيها المضيء بنور جدك الساطع.. ثم تلتفت الى حيث يشع أخوك (القمر).. فتقول له: صباح الخير أبا الفضل، يا قمر الدنيا كلها، وليس قمر بني هاشم فقط، وإن لم تكن أنت قمرها، فمن سيكون غيرك القمرا؟
لا أطيل عليكم، فقد وقفت في الظل المقابل لشمس الله الطالعة من ذلك المدار الكوكبي، أقصد المدار الحسيني الشاسع، وأردت أن أقول له: السلام عليك سيدي أبا عبد الله!!
كما أردت أن أقول له: سيدي جئتك مشتاقاً لأسلم عليك فحسب، ولا غرض عندي غير ان أراك، فأعود الى رفاقي في الجريدة، لأنهم ينتظرونني على أحر من الجمر، جئتك يا صاحبي وحبيبي ملهوفاً، ومحترقاً، (وميت من الشوك واللهفة)، لذلك غادرت بيتي اليوم قبل ان يغادر الليل بغداد الحبيبة، وجئت لا من اجل شيء إلاَّ لكي أراك. أردت ان أقول.. أو أنطق، ولو بجملة قصيرة، أو كلمة واحدة!! لكن صوتي هرب مني، ولساني (الطويل) بلع نفسه واخرسّ، والمشكلة أن لساني لم يضع فقط، ولا صوتي يضيع لوحده، إنما ضعت كلي فيك سيدي، ضعت في مداك الواسع الرحب، وضعتُ في بهائك الأروع.. لقد ضعتُ فيك قبل أن أضيع فيَّ روحي.
وفي اللحظة التي كنت فيها بحاجة ماسة للكلام معك، والسلام على صباحك الطاهر، ضاع صوتي (وخلص الكلام).. خلص كل شيء في كياني، إلاَ الدمع، فهو الوحيد الذي ظل معي في تلك اللحظة الفريدة ملازماً، ووفياً، وصابراً، وملهوفاً إليك مثلي، حتى أحرق وجهي بجمر ناره حين ذرف..
فمعذرة سيدي أبا عبد الله، لأني لم أسلم عليك من بعيد مثل كل مرة، ولم أتحدث الى قبابك الناطقة مثل كل مرة، ولم (أدخل) عند أخيك العباس (لائذاً) من بعيد مثل كل مرة.. وعزائي الوحيد أني كلمتك بالدمع، وبالصمت، وبالعيون العطشى لمرأى حضورك العظيم، وقديماً قال أمير الشعراء احمد شوقي:-
وتعطلت لغة الكلام فخاطبت عينيّ في لغة الهوى عيناك
معذرة، معذرة أبا عبد الله فقد انشغلت أمس بحبك، وأضعت قلبي.


