فالح حسون الدراجي
عندما كتبتُ (سمفونية المقابر الجماعية) بعد يومين إثنين فقط من سقوط نظام صدام الفاشي، وتشرفتُ بحفر هذه الملحمة التراجيدية في ضمير الناس، بعد أن برع في أدائها الحاج باسم الكربلائي، كنت أظن أن اكتشاف هذه المقابر الفظيعة، التي دفن فيها صدام حسين خيرة أولادنا، وبناتنا، وإخوتنا أحياءً، ستكون آخر المقابر الجماعية في حياة الشعب العراقي.. ولن يروا بعد اليوم مقبرة جماعية واحدة، لاسيما وأن النظام الفاشي الصدامي قد ولى الى غير رجعة، وإن فرسان الإبادة البعثية قد انتهوا الى نهايات حتمية، فمنهم من قتل ومنهم من بات سجيناً في قفص العدالة، والمحظوظ فيهم من تمكن من الهروب (بالخضرة) نحو عمان أو قطر. في حين أن البعض الآخر منهم أصبح حبيس الدار متنكراً، وخائفاً، ومرعوباً من عواء القطة، أو من (رنة جرس) البيت!!
لكن المصيبة أن مأساة المقابر الجماعية قد عادت من جديد، وهذه المرة بعناوين، وأسماء مختلفة، فبدلاً من حزب البعث، صار الفاعل تنظيم داعش، وبدلاً من أن يكون الجلاد سبعاوي الذي كان يشرف بنفسه على عمل المثرمة الآدمية في مديرية الأمن العامة، صار أبنه ابراهيم مشرفاً على مذبحة سبايكر، حيث يطلق الرصاص بيده على رؤوس أبنائنا عند ضفة (النهر) الدامي، الذي تلون ذلك اليوم بلون الدم..
ويبدو لي أن المشكلة ذاتها لم تتغير منذ أربعة عشر قرناً، ولن تتغير بعد أربعة عشر قرناً أيضاً.. سوى بالأشكال والمسميات، وبعض الأماكن لا غير. وثمة أمر لفت انتباهي في هذه القضية الخطيرة، يتمثل بهذا الهوى الجنوني الذي يضرب في رأس (الجماعة)، ويجعلهم متيمين بقتلنا، ومغرمين بدفن ضحايانا في مقابر جماعية.. أي حب هذا الذي يجمع بين البعثيين، والمقابر الجماعية.. ولماذا يغرمون بتكوين وإنشاء مقابر جماعية يدفنون بها ضحاياهم، ولا يقومون بتسليم الضحايا الى ذويهم، مثل البشر الآخرين في (كل دول الله)!!
وللحق، فأنا لا أعرف سر هذا الهوى المجنون، ولا أريد أن أعرفه.. وقد يقول لي البعض: أن المقابر الجماعية التي تكتشف الآن في تكريت والبو عجيل والعلم والدور والمصالحة وبادوش والفلوجة والصقلاوية والسجر وجرف الصخر وسنجار، وغيرها تضم ضحايا أبرياء زهقت ارواحهم من قبل مجرمي داعش، وليس من قبل حزب البعث؟
فأقول له: هذا تقرير غربي يكشف عن ان الكثير من قادة تنظيم داعش الإرهابي، هم من ضباط وقادة الجيش العراقي السابق، بعدما تحولوا من مؤمنين بالفكر القومي البعثي، الى سلفيين أصوليين وتكفيريين ما أتاح لهم الانضمام الى الجماعات الإرهابية.
وينقل التقرير، قول ضابط كبير من الجيش العراقي السابق انه وزملاءه من الضباط السابقين يدربون منذ أشهر وحدات قتالية خاصة لتنظيم داعش في الموصل، إحداها وحدة خاصة للاقتحام شاركت في هجوم الرمادي الأخير.
وينقل التقرير أيضا، تصريحات لعقيد ركن سابق في جيش صدام ينتمي لعشيرة العبيدي بمدينة الحويجة بكركوك، وعميد من أهالي الدور في صلاح الدين كان في مغاوير الحرس الجمهوري، ولواء ركن مظلي من أهالي العامرية في بغداد، وعقيد من الموصل كان يعمل في مركز تدريب الموصل، ومقدم ركن من سامراء كان في الحرس الجمهوري.
وكل هؤلاء الضباط تحولوا من بعثيين الى سلفيين تكفيريين.
وتحدث ضابط “القدس العربي”، بالقول.. “والدي هو برتبة لواء ركن قوات خاصة وكان يعمل مدربا في الكلية العسكرية في زمن النظام السابق، انتمى إلى داعش منذ 7 سنوات وهو من مدينة الموصل.. إلا ان المؤسس الأبرز لإحدى الوحدات الخاصة في القاعدة وهي “سرية الاقتحامات” منذ 2003 هو ابو العباس القرغولي، المعتقل منذ عامين في سجن الناصرية، والذي قاد عمليات اقتحام سجن أبو غريب، وقد كان ضالعا في تفجيرات فندق جبل لبنان واغتيال عز الدين سليم القيادي في حزب الدعوة.
ويتشارك القرغولي مع زميله العقيد ثامر الريشاوي وشقيقه بنفس خلفية العلاقة مع النظام السابق، من ناحية العضوية في أجهزة الأمن أو المؤسسة العسكرية، أو حزب البعث، قبل ان يتم طردهم لانتماءاتهم السلفية..) أنتهى التقرير..
وللتأكيد على قولي أن المشرفين على المقابر الجماعية في عهد (الدولة البعثية) هم نفس الذين يشرفون الآن على المقابر الجماعية في عهد (الدولة الداعشية!! اعرض عليكم هذا التقرير الذي نشر في عشرات الصحف والمواقع:
(أعلن مجلس عشائر محافظة صلاح الدين، الاثنين، عن مقتل والي تنظيم “داعش” في قضاء الشرقاط، والمشرف على تنفيذ جريمة “سبايكر” بعملية امنية شمال تكريت. وقال عضو المجلس هلال عبد عون الجبوري في تصريح اوردته وكالات الأنباء المختلفة، إن “قوة من عشائر صلاح الدين نفذت عملية امنية نوعية، تمكنت خلالها من قتل الارهابي علاء برهان التكريتي المشرف على مجزرة سبايكر“. وقد أوضح الجبوري أن “علاء برهان التكريتي هو قائد عصابات داعش الإرهابية في مدينة الشرقاط والذي كان مسؤولاً في فدائيي صدام“، مبيناً أن “التكريتي أشرف على مجرزة سبايكر وشارك في عملية احتلال داعش لتكريت في حزيران، وشغل منصب والي داعش في الشرقاط!)


