فالح حسون الدراجي
في منتصف الثمانينيات ازدادت الأوضاع السياسية والأمنية والعسكرية والمعيشية سوءاً في البلاد، فتركت هذه الأوضاع ظلالها على جميع المواطنين دون استثناء.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة، كنت أتحدث لأصدقائي القريبين مني جداً، مثل أي مواطن عراقي مقهور يتحدث عن المعاناة والألم والحرب والخوف والظلم، فكان حديثنا يجري بصوت عال تارة، وبصوت واطئ تارة أخرى. ولعل النافذة الشعرية التي كانت مفتوحة أمامنا هي أفضل بديل عن الأبواب المغلقة الأخرى!!
لذلك صرنا نستغل أمسيات الشعر التي نقيمها عصر كل يوم خميس في منتدى الشعراء الشعبيين الشباب في مدينة الثورة، (مدينة الصدر حالياً) الذي كان لنا شرف رعايته، وتبنيه شعرياً. ومن حسن الحظ فإن أغلب شعراء هذا المنتدى أشخاص وطنيون شرفاء، يملكون نفس الهم الذي نملكه، ونفس التفكير الذي كنا نفكر به، حتى باتت قصائدنا بلسماً لجراح الناس النازفة في هذه المدينة المظلومة، وكان من الطبيعي أن يكون هذا المنتدى هدفاً من الأهداف السرية التي تتابعها الأجهزة الأمنية والبعثية بشراسة.
وفي يوم من أيام هذه الفترة القلقة، تحدثت مع الصديق الجميل سعد عبد الحسين أطال الله في عمره، عن همنا الوطني والعائلي والشخصي، خاصة وإن العزيز سعد لا يقل عني وجعاً وأساً وغيظاً لما يحدث في البلد، وأذكر انه قال لي من شدة تأثره: (من قسوة الظلم الذي نحن فيه، بتُ أرحب بالشيطان إذا جاء ينقذنا من صدام) !!
فقلت له على ما أتذكر:
(هل تريد أن نبدل شيطاناً بشيطان، لماذا لا نتمنى نبياً لينقذنا مما نحن فيه)!!
فأيدني أبو علي في أمنيتي هذه، ليغادرني الى بيته في ساعة متأخرة من الليل. لكن الفكرة لم تغادرني قط، فقد ظلت تشغل بالي كثيراً.. لكنها تحولت من السياسي الى الشعري.. وهكذا اكتملت الفكرة، أو القصيدة عند بزوغ الفجر، فكان مطلعها:
(علواه أرجع صبي ..
وعلواه أحبي حبي
وعلواه يشيع الكفر ..
بلچي بعد هذه الكفر يطلع نبي) !!
وبعد يومين، قرأت هذه القصيدة في منتدى الشعراء الشباب أمام حضور واسع، ويبدو ان أحدهم قد سجلها بصوتي، علماً بأن هذا الأمر كان طبيعياً في امسياتنا الشعرية آنذاك.
ولم يمر سوى أسبوع واحد على تلك الأمسية حتى جاءني أحد أبناء العشيرة، وهو شاب طيب يعمل (مفوض أمن) ليخبرني بوصول هذا التسجيل اليه بواسطة أحد المتعاونين، وينبهني في نفس الوقت لخطورة الموقف، إذا ما وصل هذا الشريط الى يد المسؤولين (فوق)، ناصحاً بمعالجة الموقف بشكل سريع جداً. فوعدته بتنفيذ ذلك.
وما أن غادرني قريبي، حتى قمت بتغيير القصيدة فعلاً، ليس خوفاً على نفسي فقط، إنما كان خوفي الأكبر على الوالدة التي أعماها اعتقال وضياع شقيقي (أبو سلام)، لذلك، كان أي ضياع جديد لأحد أولادها سيقتلها تماماً. فكان التغيير أن أبقيت على البيتين الأولين فقط، وأبدلت المقاطع الأخرى كلها.. فأصبحت هكذا:
علواه أرجع صبي ..
وعلواه أحبي حبي ..
وعلواه نرد للطفولة
وكلشي بگلبنه نگوله..
وعلواه يرد العمر علواه ..
ثم تأتي المقاطع الجديدة الأخرى، لتصبح القصيدة (السياسية) القديمة نصاً غنائياً جديداً، بحيث يستطيع أي مطرب أن يغنيه بحرية، ودون أية مشكلة.
في تلك الفترة كان الصديق العزيز قاسم ماجد قد توجه نحو التلحين لموهبته التلحينية أولاً، ولتعرض حنجرته لمشكلة صحية دفعته لإجراء عملية جراحية، نصحه على أثرها الأطباء آنذاك بالابتعاد عن الغناء بصوته لفترة معينة. وبالفعل فقد قام قاسم بتلحين أغنيات جميلة. وفي نفس الوقت فقد كان هناك شاب موهوب يمتلك صوتاً غنائياً جميلاً، سمعته عند زيارته لي في البيت بصحبة صديق عزيز، فوعدته بنص غنائي. وهذا الشاب الذي لم يكن قد ظهر بعد في الساحة الفنية اسمه عبد فلك.
فقررت أن أضرب عصفورين بحجر، الأول، التخلص من مشكلة القصيدة (أمنياً)، وثانياً الوفاء بوعدي للشاب عبد فلك، فاتصلت حالاً بقاسم ماجد، وأعطيته النص، بعد أن شرحت له القضية من طقطق الى سوق مريدي، وبالمقابل فقد أبدع الملحن قاسم ماجد ابداعاً كبيراً في تلحين نص (علواه)، ونجح في إنجاز أغنية رائعة. ثم كان اللقاء مع عبد فلك الذي سمع الأغنية كلاماً ولحناً، ففرح بها كثيراً، ما دفعه لأن يقدمها بأداء رائع مذهل، بحيث شاعت الأغنية في مدينة الثورة خلال أسبوع واحد شيوعاً مدهشاً، لتصبح مفتاحاً لنجاحات عبد فلك الغنائية اللاحقة، وتكون باباً لتعاملي الشعري معه في المستقبل. والجميل أن أغنية (علواه) لم تنجح محلياً، وتنسي دوائر (الأمن) أبيات تلك القصيدة الخطيرة فحسب، إنما نجحت عربياً أيضاً، بحيث سجلت بأصوات عدد من المطربين العرب كان من بينهم مطرب لبناني معروف قام بتغيِّير بعض كلماتها، وقليل من لحنها، ليسجلها باسمه ويشتهر بها عربياً..
لقد تذكرت أمس قصيدتي (القديمة) التي تغيرت أبياتها، وأنا أسمع من شاشة قناة عربية، أغنية (علواه) ليس بصوت عبد فلك، أو هذا المطرب اللبناني، إنما بصوت فنان خليجي شهير، وطبعاً لم يذكر أسم فالح أو أسم قاسم، أو عبد فلك..


