فالح حسون الدراجي
في جلسة حميمة جمعتني قبل يومين مع عدد من المثقفين الوطنيين العراقيين في مدينة (سان دييغو) الأمريكية احتفاء بزيارة الصحفي والكاتب الكبير زهير الجزائري للمدينة. تحدث عدد من الأصدقاء الحاضرين بموضوعات شتى عن الوطن، وما يتعرض له من إرهاب وتآمر دولي، وقد كان لبطولات جيشنا، وشعبنا العظيم بطلائعه المقاتلة في صفوف الحشد الشعبي حصة كبيرة في أحاديثنا بهذه الجلسة العراقية الدافئة. ولعل المداخلات المميزة للصديق العزيز جمال زيا جميل هي أبرز ما لفت انتباهي، على الرغم من أن جميع طروحات ومداخلات الأصدقاء الحضور كانت وطنية عراقية، منحازة لحاضر ومستقبل الشعب العراقي دون أدنى شك. وهنا أود أن أشير الى أن الصديق (جمال زيا جميل) هو واحدٌ من الأخوة المسيحيين العراقيين النجباء الذين يقيمون في الولايات المتحدة منذ مطلع السبعينيات، بعد أن نجح هذا المناضل التقدمي في الهروب بأعجوبة من يد رجال الأمن في سلطة البعث آنذاك. ليترك دراسته الجامعية مجبراً عام 1972، وهو الطالب في المرحلة الثالثة / كلية العلوم / الجامعة المستنصرية. فكان هروبه أولاً الى بيروت، ليبقى فيها فترة قصيرة، ثم يغادرها مباشرة الى الولايات المتحدة، ويستقر فيها منذ عام 1973 الى يومنا هذا. ولعل الأهم في سيرة هذا الرجل، أنه ولد وترعرع في بيت تقدمي وطني يقع في منطقة الكرادة / العلوية/ حيث يقع هناك أيضاً بيت زعيم الفقراء الشهيد القدوة عبد الكريم قاسم، ويلتحق بعدها (بثانوية النضال) التي كانت تعتبر قلعة من قلاع النضال الطلابي الوطني، فيتعرف هناك على عدد من الفتية والشباب التقدميين، والشيوعيين، وينضم الى اتحاد الطلبة العام.. فيشارك في أغلب تظاهرات، واضرابات هذه الثانوية العتيدة.. مقتدياً بأشقائه الذين سلكوا قبله نفس الطريق. وحين حصل انقلاب شباط الأسود عام 1963، كان الثمن الذي دفعته أسرة جمال كبيراً، فقد أعتقل الحرس القومي ثلاثة من أشقائه بعد هروب الشقيق الرابع، فكانت تلك الأيام- كما يقول جمال- أسوأ الأيام، بعد أن حفرت في ذاكرة قلبه نهراً من الأسى. ثم واصلت اسرة جمال رحلتها الطويلة في قطار الألم، والخوف، والمطاردة والسجون، والفصل، والتمييز القاسي، والنضال الطبقي والوطني والاجتماعي، فكان من الطبيعي أن (يخرج) جمال، من محطاتها مناضلاً وطنياً حقيقياً صادقاً، وصلباً.. لذلك، تلقفني جمال بعاطفته الوطنية والإنسانية الجياشة حين وطئت قدمي ولاية كاليفورنيا قبل 12 سنة، وقبلها كان جمال يتابعني سنوات عديدة حين كنت أقيم في مدينة ديترويت، فتعمقت صداقتنا على طريق النضال ضد الدكتاتورية. والدفاع عن مظلومية الشعب العراقي، حتى بتنا أصدقاء قريبين جداً، يشاركنا في الهوية الوطنية عدد من الأحبة المثقفين الوطنيين العراقيين المقيمين في مدينة (سان دييغو) الأمريكية.. وبعد أن سقط النظام الدكتاتوري، واشتدت الهجمة (العروبية) على شعبنا الصابر، وخصوصاً في وسائل الإعلام العربي المعادي للعملية السياسية، كان لصديقي جمال صوت عال في الدفاع عن العملية الديمقراطية في العراق، وموقف قوي ضد مرتزقة صدام، وأتباع البعث المنهار، وما أكثرهم بين أبناء الجالية العراقية والعربية في أمريكا!! (فجمال زيا جمال)، المسيحي الكلداني، الذي يعتز بديانته المسيحية، وبرسالة سيدنا المسيح عليه السلام، والعلماني الذي يعتز بتاريخه النضالي التقدمي، يدافع دفاعاً صلباً عن المظلومين، والمحرومين في العراق، دون النظر الى هوية وطائفة هؤلاء المظلومين. ولعل الشيء الذي يستحق الذكر هنا، أن صديقي جمال، يعتبر (صخرة) صلدة تتكسر عليها الافتراءات، والشائعات، والأقاويل، والأحقاد، والتشويهات التي تريد النيل من العراقيين بشكل عام ومن أبناء (الطائفة الشيعية) بشكل خاص، حتى استحق بجدارة لقب، أو تسمية (عبد الزهرة) .. وهو كما يقول فخور جداً بهذه التسمية المباركة!! وجمال زيا، أو (عبد الزهرة) كما يسميه الأصدقاء عاشق للطائفة الشيعية، ومدافع عنيد عنها.. فإياك إياك أن تسيء (للشيعة)، وجمال موجود، لأنك ستجد منه ما لا يرضيك حتماً!! لقد تحدث جمال في هذه الجلسة الودودة عن معركة تحرير الأنبار والموصل بصوت عال، قائلاً: لن ينتصر العراق على الإرهاب، ولن يهزم داعش، إن لم يكن مقاتلو الشيعة في أول الزحف المتصدي، فمن دون الحشد الشعبي (الشيعي) لن يتحقق أي نصر، بل ولن تقوم للعراق قائمة. لقد قالها جمال بصوت عال مسموع.. رغم أن كلامه هذا قد لا يعجب الجميع، لأن فيه انحيازا طائفياً كبيراً، لكن حتماً، لا أحد يتهمه بالطائفية – فالرجل مسيحي كلداني – !! أما عن سبب حبه للطائفة الشيعية فقد قال:- لقد ظلمنا نحن كثيراً، وظلم أخوتنا الشيعة قبلنا، ولا أظن أن طائفة ظلمت في التاريخ مثلما ظلم أبناء الطائفة الشيعية. فظلمها متوارث منذ أربعة عشر قرناً حتى اليوم!! ثم يلتفت لي ويقول: لماذا يستكثرون عليَّ حب شيعة علي بن أبي طالب يافالح.. والإمام علي من قال: (الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). فهل هناك بربك أعظم رؤية إنسانية، وأقدس نظرة كونية مثل هذا النظرة؟


