فالح حسون الدراجي
بعد مرور أسبوع واحد على ذكرى رحيل نجم الكرة العراقية عبد كاظم، ذلك الأخ، والصديق الأعز، الذي قضيت برفقته نصف عمري في رحلة الصبر والغربة والعذاب.. وما إن مرت هذه الذكرى المؤلمة، وهدأت المواجع، وجفت الدموع في العيون، حتى وجدت غزوان محمد غازي الدراجي يتصل بي بشكل مفاجئ وهو يقول: (عمو خو ما ناسي ذكرى رحيل والدي يوم الخميس)؟! فصحت: يا ألهي.. ماذا تقول؟
قال: يوم الخميس سيصادف مرور سنة على وفاة والدي!! فقلت له:
– وهل أنا مصدِّق أصلاً وفاة والدك، كي أصدِّق مرور سنة على هذه الوفاة؟
ثمة أشخاص لا تصدَّق أنباء رحيلهم، لأنك لا تعتقد بالمرة أن بإمكانهم أن يرحلوا، ولا بإمكانك أن تنساهم أبدا. وأبو غزوان واحدٌ من هؤلاء الذين لا يمكن لك أن تثق بموتهم، ولا بغيابهم الأبدي، رغم أنك رجل مسلم، تؤمن أن لكل مخلوق أجلاً محتوماً وأن هذا المخلوق زائل عن الدنيا حتماً.
وعليه، فأنا متيقن من أن كل نفس ذائقة الموت، لكني أعترف هنا وأقول، إني حتى هذه اللحظة- رغم ايماني- لم أكن مقتنعاً بموت أخي الطيب، وصديقي العذب الجميل، محمد غازي الدراجي.. فهذا الرجل المنير كالقمر، والندي مثل زهرة الياسمين، والمبتسم مثل ثغر الفجر، والمحب للحياة والجمال والشعر والمواويل المحمداوية، ولتغريدات فيروز، فتعجب حين تجد هذا الرجل (المعگل) يرجوك أن تضع له شريطاً فيه شيء لفيروز، أو لعبد الحليم حافظ !!
فأبو غزوان صديق الشعراء بامتياز، ونديم كل الفنانين الموهوبين، ورفيق الشيوخ الكبار، وجليس رجال الدين الحقيقيين، وصاحب الشباب حتى أن الشباب والفتيان كانوا أكثر الناس من بكى رحيله. وهو رغم كرامته، واحترامه الشديد لنفسه، وعدم تطفله، أو إدخال نفسه فيما لا يعنيه، كان واسطة خير لكل من يطلبه في حاجة ولاسيما اولئك المظلومين والفقراء، سواء أكانت حاجتهم في بغداد، أم في أية بقعة عراقية أخرى..! إذ ما إن تنتخي به، حتى يحمل أبو غزوان عباءته بيده، ويخرج معك دون أن يسألك عن المكان الذي يقع فيه غرضك. إنه يفعل هذا ليس لأنه واحد من أبرز شيوخ عشيرة (البو دراج) فحسب، إنما لأن في جوهره النقي، وتكوينه الإنساني أيضاً، خصلة، أو ميزة كنت قد لمستها فيه مذ كنا شباباً صغاراً، حيث نقضي أوقاتنا في أماكن، لم تكن خاضعة لاشتراطات العشيرة، وقيم (الكباره)!
لقد كان أبو غزوان بشخصيته المحبوبة، ونزاهته المعروفة، وموقعه الاجتماعي والعشائري أيضاً، باعتباره الذراع اليمين لأخيه شيخ عموم (البو دراج) علي الشعلان يلاقي قبولاً وترحاباً وحباً كبيراً من الناس أينما حل وأقام.
نعم، رحل أبو غزوان قبل عام، وأذكر إني وقفت على جنازته، وحضرت مجلس الفاتحة المهيب الذي أقيم على روحه الطاهرة في بيته بحي البلديات، وحضرت أيضاً مجلسي الفاتحة المقام على روحه يوم السابع، ويوم الأربعين.. كما أذكر أني كتبت عن رحيله نعياً بالصفحة الأولى من جريدة الحقيقة، وقد كان نعياً يليق بروعة صديقي، وبوسامته، وجمال روحه، ومعزته الكبيرة عندي.
كما أعرف أن في هذا اليوم، سيجتمع الأصدقاء، والأهل، والأقارب، في مدينة (الصدر) والشعلة، والبياع وكميت والعمارة والكوت والبصرة والناصرية وسامراء والحلة والرمادي، والسماوة، وفي جميع مدن العراق وقراه، من أجل استذكار بيرقهم العالي، وأخيهم الغالي، كنز الاباء والغيرة والطيبة والنبل والرجولة والنقاء الجنوبي، الشيخ محمد غازي الدراجي.. وأنا واثق من أن أفواج المحبين سيأتون هذا اليوم الى بيته ليقدموا خالص العزاء والوفاء والمحبة لنجله الأكبر غزوان، والى (حزام ظهره) الشيخ علي الشعلان (أبو احسان)، والى كل مفردة من مفردات هذا البيت الشامخ، المُعطر بالأصالة والكرم والفروسية والحكمة والكرامة، والمُطهَّر بحب العراق، وحب أهل البيت عليهم السلام.. حيث سيقرأ المحبون سورة الوفاء، قبل سورة الفاتحة على روح أبي غزوان، الشيخ الجميل الذي رحل قبل أوانه، تاركاً في بيت كل (دراجي) حسرة موجعة، راسماً بلون غيابه فوق كل وجه من وجوه الذين عرفوه ألف علامة حزن وأسى، مثلما ترك في قلوب محبيه جرحاً لم يشفَ رغم مرور سنة على غيابه!
نعم، رحل صديقي محمد غازي الدراجي، الذي كان يعطر بخطواته الدروب إذا ما مرَّ فوق ترابها، ويطيب الجروح، ويسعد النفوس، والخواطر الحزينة، إذا ما ابتسم لهذه الخواطر بثغره الباسم.
نعم، مات (محمد)، وسبحان من لا يموت.. مات وأنا شاهد على مفردات موته.. لكن المصيبة أني لم أصدق بموته، فكيف أصدق أن عاماً قد مرَّ على رحيله؟

