فالح حسون الدراجي
يعجبني في (اللغة الشعبية) مرونتها، وسرعة وصولها للهدف، فضلاً عن قدرتها على التكيف والانتقال من مجتمع إلى آخر دون ان تفقد أيا من خواصها الأصلية، ناهيك عن مقدرتها على الاختزال، والاختصار المفيد دون أن تثلم المعنى، وعلى هذا الأساس يضطر كبار الخطباء، والشعراء، والمحامون وزعماء السياسة، والكتاب إلى تضمين نتاجاتهم أو خطبهم، أو (جنجلوتياتهم) الفصيحة من طراز (في الحقيقة والواقع) بمفردات، أو كلمات شعبية (يسميها بعض الأجلاف: كلمات جلفية)!!
ولا يختلف اثنان على ان للمفردة الشعبية قدرة كاملة على التأويل وعلى التفسير المتعدد أيضاً، ( فحدر السنابل كَطه ) أو(عمر واتعده التلاثين) أو ما قصده أبو سرحان في (كَنطرته) حين قال: (حدر التراجي برد) أوما قاله الكرخي في مجرشته: (ساعة وأكسِّر المجرشة والعن أبو راعيها)، أوما قالته الشاعرة فطيمة العلوية في: (اهنا يمن جَّنه وجِّنت) أوبما قيل في مئات القصائد والمفردات والأمثال الشعبية، يظل مشحوناً بالمعاني المتعددة، مثلما يبقى باباً واسعاً للتأويل، وساحةً رحبة لاختلاف الآراء، وتضاد القراءات، فكم صديق سألني عن معنى البيت الفلاني، بعد ان يكون قد اختلف مع زميله في تحديد قصد قائله، وكم متلقٍ وضعني حكماً بينه وبين متلق آخر، بعد أن اختلفا حول معنى هذه الكلمة أو تلك؟
إذن، فللكلمة الشعبية، سواء كانت قصيدة، أو أغنية، أو مثلاً دارجاً، قدرة كبيرة على استقطاب التعددية في التقييم، والرأي، وفتح المجال للتأويل الثر، ناهيك عن مقدرة الشعرية الشعبية على قول ما لا يستطيع قوله أي جنس أدبي، أو لغوي آخر، بذات السرعة، وللإنصاف فان للعامية العراقية نفوذاً قوياً في الدخول لعقل وقلب المستمع مهما كانت الموانع والعوائق، فيكفي العامية العراقية فخراً، ان كلمة واحدة منها قد تحقق ما يمكن أن تعجز عن تحقيقه ألف كلمة فصيحة، وصريحة، ومليحة، بخاصة حين توضع هذه الكلمة (الشعبية) في مكانها، وزمانها الصحيحين!!
ولنا في ما فعله الشاعر الشعبي الموهوب رياض الوادي مثال، حيث أصاب في وضع كلمة (سرسرية) في قصيدة ساخرة نجح في توظيفها نجاحاً كبيراً، بخاصة حين جعل منها صفة لمن يستحقها من الأوباش السرسرية.
لكني، أرى أن الوادي لم يتوسع – وربما لأسباب شعرية – في تشريح السرسرية تشريحاً تاماً، وقد يكون هناك من يختلف معي من القراء، في تقييم هذه القصيدة من ناحية الشكل، أو المضمون، وهو أمر طبيعي، فلكل شخص مزاجه ورؤيته وذائقته.. المهم أن القصيدة وشاعرها ليسا موضوعنا اليوم، بقدر ما أني أردت استعارة كلمة (السرسرية) من قصيدة الوادي، لأضعها – كما وضعها هو- في مكانها وناسها، وزمانها التام، فقد وقعنا (والعياذ بالله) بحشود من السياسيين وغير السياسيين العصابچية السرسرية الذين (التموا) علينا من كل حدب وصوب، ناهيك عن (الداعشيين)، واخوتهم البعثيين القادمين الينا بلؤم، من بيوت البغي وقصور العهر، وكهوف الظلام، وأوكار الهزيمة))!!
وإذا وجد البعض أن كلمة السرسرية خشنة وحادة وجارحة، وبذيئة، وغير مؤدبة، فإني أتوسل بهذا البعض (المترف) أن يساعدني على إيجاد كلمة بديلة، تصلح لوصف (الجماعة)، وحين يتم ذلك الأمر، فإني سأكون أول المنقطعين عن استخدام هذه اللغة الجارحة،
وحتى يحصل ذلك، سأظل أتحدث مع (السرسرية) بلغتهم الشوارعية، فهي اللغة الوحيدة التي يفهمونها، ويطربون إليها ويشتاقون لسماعها!!
فكلمة (السرسرية) التي تعني بالتركية: عاطلون عن العمل!!
وتعني بالسعودية:- وهابية، وتفخيخ سيارات!!
وتعني بالقطرية: (يمه كَرصتني العكَربة)!! على اعتبار أن الأشقاء (القطريين يهيمون عشقاً بالگرص، والعگارب) !!!!
أما بالعراقية، فكلمة السرسرية تعني:- هتليَّة (وخوات .. گح … )!!
المهم في الأمر، أن معنى السرسرية واحد، مهما اختلفت الحارات، والزواغير، سواء في ولاية قندهار، أو الرقة، أو ولاية الموصل.!!
هذا بعض من معاني كلمة السرسرية، أما عن مكان وزمان استخدامها فهو استخدام مطلق، ومشاع، وذلك لأن السرسرية (زمكانيون)!! بمعنى انهم موجودون في كل مكان وزمان، ولعفونتهم رائحة يمكن شمها على بعد مليون سنة ضوئية، فمهما حاولوا، ومهما فعلوا، فهم معروفون، وواضحون، ولايمكن أن يختفوا عن المشهد العام بسهولة، قد يلجأ بعضهم إلى وسيلة (الغش والاختفاء) فيدخل العملية السياسية، وقد يصبح نائباً لرئيس الجمهورية أو نائباً لرئيس الوزراء، أو رئيساً للبرلمان، أو محافظاً، لكنَّ جيفتهم وعفونتهم القوية تظل مرافقة لهم ابداً، إذ لا تنفع معها كل عطور (المناصب)، أو بخور التدين الكاذب، والتمسكن الخادع، يقول الكاتب الجزائري الطاهر وطار(القتلة متشابهون كأنياب الذئب) وأظن بأن الأمر صحيح في الواقع أيضا، فكل الذين يفجرون أنفسهم في باريس، أو بروكسل، وكل الذين يقتلون الأطفال والشيوخ في تلعفر، أو يذبحون النساء في سوگ العوره، أو في (داقوق)، أو ينسفون الحياة في لبنان، ويهجمون بيوت الناس، أو بيوت الله في أفغانستان، واليمن، هم من نفس الماركة، ونفس التضاريس ونفس الأوصاف، بدءاً من الحشو الذي (يترس) عقولهم، والكراهية التي في قلوبهم، وانتهاء بالقذارات التي تحيط بمسامات أجسادهم العفنة.
وهنا أجد نفسي مضطراً لتوجيه السؤال إلى أردوغان، وطارق الهاشمي، وظافر العاني، ولقاء وردي، وفيصل القاسم، ورافع العيساوي ، ومثنى حارث الضاري ، وخميس الخنجر ، وعلي حاتم سليمان ، وميسون الدملوجي، وشاكر وهيب، وكل من يشبههم من الداعشيين، من الذين يدافعون عن داعش سراً أو علناً .. أقول: بشرفكم انتم مو سرسرية؟!


