رئيس التحرير
أن تكون مواطناً عراقياً بسيطاً، فهذا يعني أن لك حقوقاً على الدولة، يجب توفيرها لك، فمن حقك مثلاً أن تنام مطمئناً، وتصحو سليماً مثل خلق الله الآخرين، دون أن يتعرض أحد الى أمنك، وبيتك، وأملاكك، وأن تغمض عينيك وأنت واثق من أن أطفالك محميون، ومحروسون بعناية الله، وعيون المسؤولين في الدولة.
وإلاَّ كيف تنام مطمئناً، وعيناك ممتلئتان بجمال الحلم، واخضرار الأماني.. وتصحو زاهراً مشعاً بالأمل والضوء والحب، بينما القتلة، واللصوص، والخارجون على القانون يحيطون بك، وبأطفالك، وممتلكاتك كإحاطة المعصم بالسوار؟
ماذا تفعل، وقد ولدت وعشت في بلد محاط بالأشرار، وبذئاب الجوار، وما بعد دول الجوار.. بلد يحسده الجميع، ويتمنى زوال نعمته الكثيرون. لذا فإن من الطبيعي أن تجد من يسعى لتمزيق صفاء ليلك الجميل، والى قتل أحلامك الخضر، وتدمير سعادتك الصهباء، أو خطف فلذة كبدك الأغلى.. كيف يمكن لك أن تعيش هانئاً سعيداً في هذه الغابة السوداء إن لم يكن ثمة أسود تحمي أغصانك، وأيامك، وأشياءك الجميلة الزاهرة؟ لكن الله الذي لا تنام عينه، أرسل لك من يحمي بيتك، وأطفالك، وممتلكاتك، وكل ماتحب في الدنيا.. أرسل لك أسود العراق من رجال الجيش والشرطة والحشد الشعبي..
أمس كانت (للحقيقة) جولة في ليل النائمين بأمان، برفقة قائد الأبطال الذين يحمون هذا الليل، ويحرسون هذه البيوت الوديعة النائمة وسط الغابة، نعم فقد كنا ليلة الإثنين برفقة (أسد بغداد)، وقائد شرطتها الشجاعة اللواء الركن علي جاسم الغريري، الذي مضى يفتش، ويبحث في سيطرات الرستمية، وسيطرة بغداد – واسط، وسيطرة الشعب، وغيرها من السيطرات المهمة.. فالرجل كما يقال لاينام –والعهدة على القائل -إلاَّ بعد أن يرى بغداد نامت بأمان، ويرى بيوتها قد غفت، وأطفالها شبعت كركرات وضحكات..
أحد الضباط الذين معنا (مقدم نبراس)، همس في أذني ونحن نمشي خلف القائد قائلاً: صحيح أن اللواء الغريري صلب جداً، وقاسٍ في حكم العدل، وعنيف على الباطل، وشديد على المقصر في واجبه، لكنه رقيق كالورد، وشفاف مثل (ورق البافرا)، ولطيف كنسيم البحر في فجر الصيف.. إنه يبكي لبكاء طفل، ويفرح لفرح أب، ويرقص قلبه سعادة حين يحق الحق لأهله المظلومين.. قلت له: أظنك تقول شعراً فيه؟
قال: والله لو كنت أجيد كتابة الشعر لكتبته بحق هذا الرجل..
فضحكت وقلت له: كيف يتعامل معكم -انتم الذين تعملون معه -؟
قال: كما يتعامل الأب مع أبنائه.. وأنت تعرف كيف يتعامل الأب مع أبنائه..؟
قلت له: ولذلك تجدنا نخرج معه في هذا الليل البارد، والريح القاسية..
وللحق، فإن الغريري لم يكن يعرف شيئاً عن التحاقنا به في هذه الجولة، فالرجل يرفض الإعلام والمديح والتصوير لأعمال يقوم بها ضمن واجبه، لكنني رجوته ، بل وأرغمته (بمودة طبعاً) على قبول رفقتنا معه .
وما دام هو يخرج كل ليلة يتفقد الناس، ويتفقد البيوت، والمحلات، والسيطرات، والأسواق.. باعتباره مسؤولاً عن حماية الناس أمام الله، وامام القانون، وأمام ضميره، ومسؤولاً أمام الجميع عن ليل البغداديين، مثل نهارهم.
في سيطرة الرستمية !!
كانت مئات الشاحنات تتكدس امام السيطرات، وأغلب سواق هذه الشاحنات الكثيرة يشكون من معاملة رجال (الكمارك)،ومن التأخير(المعروفة أسبابه) في تلك السيطرات. وفي سيطرة الرستمية وقفنا مع قائد شرطة بغداد اللواء الركن الغريري، وهو يقف بنفسه على تمشية حركة السير، وعلى انسيابية مرور الشاحنات، رغم شدة البرد، وقوة الريح، ضارباً مثلاً رائعاً لمنتسبيه في التحمل، والصبر، وخدمة الواجب بشكل صحيح.. ولكي يكون عادلاً، فقد قرر القائد تكريم أحد المراتب في السيطرة، ومعاقبة أحد الضباط.. كان القائد الغريري يوقف الشاحنات واحدة واحدة ويسأل سواقها عن معوقات عملهم، وما يمكن أن يقدمه لهم من مساعدات في سبيل إنجاز مهامهم اليومية.
انتهى بعد ساعتين الزحام، وذهبت الشاحنات الى مقاصدها، لكن الرجل لم يذهب، إذ بقي مع أبنائه وأخوته منتسبي تلك السيطرات، فعقد معهم اجتماعاً (صغيراً)، عرض فيه ملاحظاته، واستمع لملاحظاتهم، مقيماً جهودهم، ومنتقداً بعض السلبيات، ثم أمر بتوفير بعض الإحتياجات الضرورية لتلك السيطرات من أجل ان تقوم بعملها بشكل صحيح وسليم. وبين كل توقف وآخر، كنت أحاول ان أسأل اللواء الغريري عن بعض ما يخطر في بالي من ملاحظات تستحق السؤال، مرة قلت له: كم سيطرة خارجية لديكم ؟
فقال: لدينا حوالي (18) سيطرة خارجية، وهذه السيطرات نسميها بالنوع (أ)، أي السيطرات الكبيرة، وواجبها ضبط المداخل الرئيسية لمحافظة بغداد، وتشمل:
سيطرة الدورة وسيطرة التاجي وسيطرة ابو غريب وسيطرة الشعب والمعامل وبغداد – واسط وسيطرة جسر ديالى وغيرها، وهذه السيطرات جميعها تحيط بمحافظة بغداد، وتعمل بشكل متكامل، حيث تضم اجهزة سونار (عبارة عن عجلة حديثة متطورة)، فضلا عن جهاز الفحص الـ(ID) ومفارز الـ( (K9 التي يصل عددها الى (8- 9) ..
قلت له: نلاحظ أن زحام (التريلات) لم يعد شديداً في السيطرات مثلما كان سابقاً ؟
فقال: لأننا أجرينا بعض التغييرات في التوقيتات الخاصة بدخول الشاحنات، كما أعطينا بعض الصلاحيات لآمري السيطرات في تسهيل المهمة لهم، من أجل انسيابية عالية في دخول الشاحنات الكبيرة.
قلت له: وماذا بشأن سيطرة الشعب؟
قال قائد بغداد: تعد سيطرة الشعب من السيطرات المهمة، فهي منفذ حدودي مهم، وقد بدأنا بحملة نشيطة لتأهيلها وترميمها وبنائها. كما قمنا بتنظيم وتوسيع منافذ الدخول والخروج بشكل يسمح بانسيابية المرور، حيث تدخل المركبات الى جهاز الروبسكان و ( k .9 ) .. علماً بأن دولة رئيس الوزراء يتابع سيطرة الشعب بشكل خاص.





