الإفتتاحية

أنا معجب بالوهابي فضل شاكر!!

فالح حسون الدراجي

      قد يستغرب الكثير من الأخوة القراء إعجابي هذا، لا سيما الذين يعرفونني عن قرب، ويعرفون آرائي ومواقفي من التطرف والغلو الوهابي المؤسس على كراهية الآخر، فما بيني وبين الوهابية (ما صنع الحداد) كما يقولون.
والحكاية أني كنت أستمع أمس، لصوت الفنان السابق، والوهابي اللاحق فضل شاكر بشريط غنائي، ضم أكثر من عشر أغنيات عربية طربية قديمة، كانت قد قدمت بأصوات فنانين كبار.
وعلى الرغم من أن هذه الأغنيات قد مرَّت على مسامعي من قبل، سواء بأصوات مطربيها الأصليين، أو بأصوات مطربين آخرين لا يقلون روعة في أدائهم عن كبار مطربي العرب، ومن بين هؤلاء جورج وسوف وشيرين عبد الوهاب ووائل جسار، إلاَ أني وبصراحة لم أستمتع، ولم أطرب مثلما استمتعت وأطربت لأداء فضل شاكر في هذه الأغنيات العشر..
لقد وجدت في صوته مزيجاً مدهشاً من أصوات عدة، وباقة ملونة منسوجة من انكسارات، وتموجات طرية، قلما تتواجد في صوت آخر.. وقطعاً فإنك لن تجد أصواتا متعددة، تمتزج أو تتحد في حنجرة بشرية واحدة، لأن هذا الأمر يعد من الإستحالات الفيزيائية، مهما كانت هذه الحنجرة، ومهما كان ذلك الصوت.
وما أدهشني فيه، هو ذلك الكم الهائل من العاطفة المختبئة في زوايا حنجرته، والطالعة من قلبه كما يطلع الماء من الينابيع صافياً رقراقاً.. لذلك سرحت معه، ومع أدائه وشجنه، وتلوينات صوته، وانكسارات ضعفه وخيباته، وبوحه، وأساه الموجع. فكنت أذوب معه حين يذوب برائعة أم كلثوم: (هات إديك ترتاح في لمستهم إديه)، أو حين يحترق في سمفونية ميادة حناوي (أنا بعشقك)، أو بأنين عفاف راضي الموجع: (هوى يا هوى يا نسمة صيف تعَّدي على روحي وحبيبي)، أو عند روائع عبد الحليم حافظ مثل: (أي دمعة حزن، وزي الهوى، وأسمر يسمراني) أو حين يشدو في أغنية الصبوحة: (زي العسل على قلبي هواه زي العسل) أو في أغنية شادية العذبة الدافئة :(قولوا لعين الشمس ما تحماشي)، أو في غيرها من روائع الغناء العربي، التي أبدع فيها فضل شاكر أيما إبداع.
ولما تصاعدت ذروة الانتعاش والطرب والدهشة عندي، وأنا أستمع اليه وهو يغني: (رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا.. علموني أندم على الماضي وجراحه). تذكرت فجأة أن هذا الفتى الذي يسحرني الآن بصوته وشدوه، وأساه، هو ليس أكثر من قاتل ومجرم دموي، تخطى حدود المعقول في انتمائه لفكرة القتل وتجاوز شروط الممكن في انتسابه لمنظومة الكراهية المنبثقة من سوداوية الفكر الوهابي الإجرامي.
تلك المنظومة الآسنة التي سبح فيها قبله عتاة الإجرام في التاريخ الحديث، أمثال بن لادن، والظواهري، والزرقاوي، وأبي عمر البغدادي، وأبي بكر البغدادي، والجولاني، وغيرهم من قتلة العصر.
وانتبهت بعد أن صحوت من سكرة العذوبة، الى أن صاحب هذا الصوت المعطر بالحب، هو واحدٌ من عبيد أباطرة الكراهية، والحقد على كل المكونات الإنسانية، ويكفيه عاراً أنه أحد المنتمين رسمياً لعالم التخلف والظلامية الوهابية.
فوقفت متحيراً من مستفزات هذا العصر، تائهاً في لجة هذا التناقض العجيب الذي أراه أمامي اليوم في صورة فضل شاكر. فالرجل لم يعتزل الغناء والفن، ليمضي الى ربه متديناً بقلب سليم، كي نحترم قراره، ولم يمضِ للعبادة كي نقتنع بما فعل، ولو كان الأمر هكذا، لما استفزني قطعاً!. فثمة الكثير من الفنانين العرب قد جمع بين الفن، ومخافة الله، لكن (تدين) فضل شاكر نوع آخر، نوع لا يمت للتدين بصلة، ولا يرتبط  بدين الله بأي رابط. (دين) خاص بعصابة إجرامية دموية تقتل وتذبح بالسكين العمياء دون أي وازع أو مانع، دين تأسس على قاعدة تكفير كل مخالف له، وقد نما وترعرع في عقول ازدحمت بفكرة التكفير والدم أمثال بن تيمية ومحمد عبد الوهاب وبقية الجوق الحنبلي الوهابي.
لذلك لم أستطع استيعاب فكرة أن يجتمع الجمال، والقتل في طريق واحد، ولا أن ينبت ورد القرنفل في أرض مزروعة بالقنابل، أو أن يغرد البلبل فوق غصن محروق.. وعلى هذا الأساس طرحت سؤالي عن الدوافع التي تجعل إنساناً رقيقاً، رومانسياً، يذهب نحو عالم الدم والقتل والتدمير؟!
إذ كيف يتفق الحب والكراهية على المنام في حنجرة واحدة، وكيف يخفق ذلك القلب الأخضر بالحب، وهو يزدحم بكل هذه الكراهية.. وكيف يقتل الفنان الدافئ جنديين، ويجرح أربعة من أبناء وطنه، ليس لهم معه ثأر، ولا بينه وبينهم أية مشكلة، والعجيب أن يعترف فضل شاكر بلسانه أمام عدسة الكاميرا بقتله الجنود اللبنانيين!!
يا للعار!!
لقد كان بإمكان فضل شاكر أن يصبح عندليباً شادياً، ومعشوقاً خالداً، وقدوة في الحب والجمال، لا أن ينال حكماً بالإعدام من القضاء اللبناني، وقبل ذلك نيله لعنة التاريخ، ولعنة الأجيال العاشقة للحرية والحياة والسلام.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان