الإفتتاحية

علم العراق بين شقي القلعة (رشيد) وشقي مام جلال (نجم الدين)!!

أحرقوا علم العراق الفيدرالي الاتحادي، ورفعوا علم كردستان فوق مباني محافظة كركوك التي لا يمثل فيها الأكراد أكثر من ربع مجموع السكان..
وإذا كان حرق العلم العراقي عملاً صبيانياً متهوراً غير مسؤول، فإن رفع علم كردستان فوق مباني مؤسسات محافظة كركوك هو اجراء وعمل حكومي، مدروس، ومخطط له دون شك!.
وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا القرار الحكومي يقف خلفه سيادة المحافظ المحترم..
والمصيبة أن قرار رفع علم كردستان قد اتخذه المحافظ بشكل شخصي، دون أي تشاور مع أحد من القيادات الكردية السياسية، أو الاجتماعية، ودون صدور أي قرار حزبي، أو برلماني كردي، أو برلماني وطني اتحادي، حتى يقال إن هناك الكثير من قيادات الكرد، سواء من حركة التغيير، أو حتى من حزب الاتحاد الوطني الكردستاني -الذي ينتمي له المحافظ نفسه –غير راضين عن تصرف المحافظ، بل أن ثمة من صرح علناً ضد هذا التصرف!! فالقضية كما يبدو، تصرف (لحظوي)، قام به السيد المحافظ بعد أن (تألق) خياله أكثر مما يجب، فسحب مسدسه، وصاح بجماعته: انزلوا علم عراق، ارفعوا علم إقليم كردستان !!
 إن تصرف محافظ كركوك يذكرنا بتصرف شقي كركوك، وابن قلعتها قبل سبعين عاماً، المدعو (رشيد)، وبحكاية شعبية عن ذلك الفتى الشقي، التي تشبه الى حد كبير قصة (الشقي) الجديد نجم الدين كريم محافظ كركوك، والحكاية تقول:
 كان هناك فتى (شقي) يدعى رشيد، يوم كانت الحياة الاجتماعية في كركوك أواسط الخمسينيات من القرن الفائت، بسيطة كبساطة أهلها، وكانت أماكن الترفيه فيها  قليلة جدا إن لم نقل معدومة، حيث لا تعدو عن بضعة مقاهٍ شعبية مبثوثة بين الحواري والمحلات على جانبي المدينة ، ومثلها بضعة أندية ليلية، يرتادها الناس ..
وكان المكان الترفيهي الاكثر شهرة في كركوك هو صالة سينما غازي، التي افتتحت نهاية الاربعينيات، وكانت مقامة على الضفة الغربية لنهر (خاصه صو).
في صالة سينما غازي، وتحديدا في صالتها الصيفية، تبدأ حكايتنا لهذا اليوم، وبطلها الشاب العشريني (رشيد) ابن قلعة كركوك، وشقيها البارع الذي كان يذود عن حمى المحلة، وبقدر ما كان أريحيا، مقداما، يهابه الكثير من الشقاوات وقته، لشدة بأسه، وقوته العضلية، كان أحمقا، وسريع الغضب.
وذات ليل صيفي حار، كان رشيد يمر في شارع أطلس في مدينة كركوك، عائدا الى بيته مع شلة من أصدقائه، بعدما احتسى ما طاب له من كؤوس الخمرة المحلية المسماة (عرق الهبهب) في حانة (ابو غازي) التي كان مرتادوها من الكسبة وذوي الدخل المحدود ..
وهنا أثارت صيحات جمهور سينما غازي، الذين كانوا يتابعون احد أفلام الكابوي، انتباه (الشقي رشيد)، فقرر أن يدخل الصالة ليعرف ما يدور فيها ..  
أخذ مكانه في الصالة المظلمة ، وراح يتابع مجريات الفلم، وبطل الفلم  الممثل الامريكي (غريغوري بك) يظهر في لقطة وهو يخوض غمار معركة حامية الوطيس مع مجموعة من رعاة البقر، ويرديهم كلهم  قتلى ، واحدا تلو الاخر ، ولم يكتف بطل الفلم بكل ذلك العدد من القتلى، بل تمادى أكثر فأكثر، وراح يطلق نيران بندقيته ذات اليمين وذات الشمال، دون أن يجرؤ أحد على التصدي له ، وايقافه عند حده ..!!
ويبدو أن صاحبنا (رشيد) وقد لعبت الخمرة في رأسه، وفار الدم في عروقه، استهجن هذا الفعل الظالم الذي قام به بطل الفلم، وقتله لأناس ابرياء .!!
فانتفض  من مكانه، وصاح بصوت عال سمعه كل من كان في الصالة : وووولك …. هي أدب سز عبالك احنا نسوان گاعدين كدامك ، وانته تكتل بالناس!!!
وسحب رشيد مسدسه (أبو البكرة) وأمطر شاشة السينما بوابل من الرصاص انتقاما للقتلى الذين سقطوا برصاصات (غريغوري بك)!
ساد الهرج والمرج بين رواد الصالة الذين راحوا يتدافعون للخروج من المأزق الذي أثارته رصاصات رشيد، ثم ما لبث أن حضرت الشرطة، واقتادته، مع أصدقائه المخمورين الى مركز الشرطة (السراي) تمهيدا لتقديمه الى القاضي لينال جزاء ما اقترف من إخلال بالأمن ..
اكتفت المحكمة بتغريمه مبلغ سبعة عشر دينارا، تعويضا للخسائر المادية التي احدثتها الرصاصات في شاشة السينما.
اليوم ، وبعد مرور سبعة عقود من الزمن على تلك الحادثة الغريبة ، وبعد أن أزيلت بناية سينما غازي منذ ما يقرب من خمسين سنة، يظهر في كركوك شقي آخر، يحمل نفس الخيال الخصب الذي كان يحمله الشقي رشيد، فبدلاً من إطلاق الرصاص على الشاشة، قام بإطلاق الرصاص على التآخي والمحبة والسلام والتعايش بين القوميات والمذاهب والأديان في هذه المدينة النموذجية الجميلة، دون أن يذهب الى مركز الشرطة، أو الى المحكمة مثل سلفه رشيد.. والسبب أن في زمن رشيد كانت هناك شرطة ومحاكم، أما اليوم فلا شرطة ولا محاكم، ولا هم يسكرون !.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان