قبل الف عدد، أي قبل إصدار العدد الأول من جريدتنا: جريدة (الحقيقة)، وبينما كنا منشغلين بتوفير آخر متطلبات الإصدار، سألني أحد الزملاء قائلاً: لقد وفرنا للإصدار كل شيء، وفكرنا بكل شيء، لكننا نسينا المهم، بل الأكثر أهمية!!
قلت: ماذا؟
قال: الاسم.. أقصد اسم الجريدة !!
فضحكت، وقلت له، كيف تعتقد، أن الذي يفكر بتوفير (القوري والإستكانات، وملاعق الشاي للعاملين في الجريدة، لا يفكر باسم لهذه الجريدة؟)
قال: هذا يعني أنك اخترت الاسم؟
قلت له: لقد (اخترنا)، وليس (اخترتُ).. فأنا واحد من أسرة الجريدة، حتى وإن كنت رئيساً لتحريرها. لذلك تجدنا جميعاً قد شاركنا في اختيار هذا الاسم.
وقبل أن يسألني عنه، قلت: والاسم هو (الحقيقة).
فصاح زميلي: الله.. الله كم هو رائع وجميل وملائم هذا الاسم.
لكن زميلي توقف فجأة عن اكمال مديحه لاختيار الاسم، ليصمت لحظة، ثم يقول: اتعرف يا صاحبي، ماذا يعني اسم (الحقيقة)، وماذا يعني من مضامين، ومعانٍ اخرى غير معنى (الحقيقة) الشائع المتداول؟
قلت له: وأنا احاول دفعه نحو عرض معاني اسم الحقيقة، التي قد لا نعرف بعضها بقولي له:- وهل هناك معنى آخر لكلمة الحقيقة، غير المعنى العام الذي نعرفه، ويعرفه الجميع؟
قاطعني قائلاً: وما هو المعنى الشائع المتداول ؟
قلت: هو الذي يشرحه الفلاسفة، ويعرَّفه اللغويون، فيقولون إن الحقيقة هي (الشيء الثابت يقيناً)!!
فضحك زميلي وقال: أنا أقصد غير هذا تماماً .. أقصد ذلك المعنى المترجم لجريدة كان لها في يوم ما صدى عظيم في ساحات النضال الأممي الإنساني، جريدة كانت تطبع أكثر من خمسين مليون نسخة يومياً، فتنفد النسخ جميعها قبل حلول الظهيرة .. أقصد الجريدة التي كانت تمثل الحقيقة اسماً ومضموناً، لقد تصورت يا صاحبي أنكم اخترتم اسم الحقيقة تيمناً واعتزازاً بجريدة (البرافدا) التي تعني ترجمتها بالعربية: (الحقيقة)؟
فضحكت وقلت: نحن اسميناها (الحقيقة) تيمناً بكل الحقائق المادية والتاريخية التي نؤمن بها، بدءاً من حقيقة وجودنا، وانتمائنا لهذا العراق الجميل، ومن انتمائنا لهذه الطبقة الكادحة الفقيرة التي عانت، وذاقت الأمرين على يد الطغاة، والمستغلين، والتي دفعت القرابين فداء لحريتها، وحقها في الحياة، ومن حقيقة انتمائنا الى الفكر الوطني التقدمي النبيل..
قال: وماذا بعد؟
قلت: ثمة معنى آخر للحقيقة قد لا تعرفه أنت، ولا حتى (البرافدا) مع احترامي لكما، وهو أن (الحقيقة) مفردة لكلمة (الحقائق)، كما ان الحق هو مفرد لكلمة الحقائق ايضاً، والحق كما تعرف نقيض الباطل.. لذلك اخترنا طريق الحق، واخترنا اسم (الحقيقة)، فنحن أصحاب مبدأ وعقيدة، وأصحاب حق وحقيقة، والعظيم علي بن ابي طالب يقول:
( لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه)!!
فقاطعني زميلي باسماً: اذاً استعدوا للمعركة، فستكون الحرب عليكم شرسة، وعنيفة، ووقحة، وقد يشارك فيها ضدكم من هو أقرب الناس اليكم !!
قلت: ونحن لها ..
واليوم.. إذ نصدر العدد رقم الف من جريدة الحق، أو (الحقيقة) رغماً عن أنوف الأعداء وخشوم الحاقدين والحاسدين، فإننا نعلم تماماً أن الحرب القذرة ضدنا لن تتوقف، وذلك لسبب بسيط: أننا لعبنا في منطقة محظورة، ومشينا في ممرات ملغومة، ومفخخة بكل ديناميتات المنع والتجويع والتسقيط والتهميش، لكننا نجحنا، وبقينا أحياء سالمين غانمين، دون أن نخرج عن طريق الحق الموحش لقلة سالكيه!!


