عندما انتصرت ثورة اكتوبر البلشفية عام 1917، انتصر بها ومعها كل ما هو جميل وخير وإنساني في هذا الكوكب الواسع. فهي لم تكن ثورة حزبية مثل أية ثورة حزبية، يقودها حزب سياسي، أيدلوجي، إنما هي ثورة تغييرية شاملة، وعارمة، جاءت وهي تحمل على أجنحتها إشراقات الحياة، وإشعاعات المستقبل. وقبل ذلك فهي أسقطت كل القيم، والممارسات، والقوانين المعرقلة لحركة التاريخ، والمانعة للتقدم. وحين جاءت هذه الثورة الحقيقية التحريرية، كان الكادحون في كل أرجاء العالم، خصوصاً الطبقة العاملة يعانون الأمرين من الظلم والإستغلال وطغيان القوانين الرأسمالية التي لن يقدر أعداء الطبقة العاملة إنكارها قطعاً. ولأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) هي الداينمو المحرك لهذه الثورة، وهي صاحبة المصلحة الحقيقية في اندلاعها، ونجاحها، واستثمار نتائجها الإنسانية، وهي صاحبة الحق في الإستفادة من قوانينها المنصفة، باعتبارها (الطبقة العاملة) أكثر الطبقات في المجتمع تعرضاً للحيف، وتأثراً من ظلم الرأسمالية، رغم أن هذا الحيف والظلم قد أصابا أغلب القوى غير الرأسمالية، بما في ذلك طبقة البرجوازية الصغيرة.
وعلى هذا الأساس توفرت للطبقة العاملة بعد نجاح ثورة اكتوبر الإشتراكية بقيادة (لينين)، فرص كبيرة، ليس للطبقة العاملة في الإتحاد السوفيتي، والمعسكر الإشتراكي فحسب، إنما في عموم البلدان التي تلعب فيها الطبقة العاملة دوراً اجتماعياً وانتاجياً وسياسياً ملحوظاً.
نعم، لقد أتيحت بفضل النضال الطبقي للعمال، فرص باهرة لحياة حرة كريمة، ومستقبل إنساني زاهر، وكان من بين تلك الفرص أن حظي العمال في مختلف الدول المتقدمة -بما فيها دول المعسكر الرأسمالي -بقوانين للتقاعد، والضمان الإجتماعي، وتشكيل النقابات المدافعة عن حقوق العمال، وتحسين الأجور، وتوفيرشروط فضلى للعيش، وغير ذلك من المتحققات المشهودة آنذاك..
وبطبيعة الحال، فإن هكذا ثورة خطيرة لا يمكن أن تواصل مسيرتها دون نشاط عدائي واسع لها، ولكل محركاتها الإجتماعية والفنية، فكان افتعال الحروب، بما فيها حرب النجوم، وصناعة المؤامرات والانقلابات، وجيوش التجسس، وكمائن الدعيات المضادة.
وللحق فإن القوى الرأسمالية، بما تملكه من متوفرات مالية واعلامية وعسكرية وفنية ولوجستية متقدمة جعلت الدول التي تقود فيها الطبقة العاملة أنظمة الحكم في وضع دفاعي صارم، مما ألهاها، بل ومنعها أحياناً بالقوة من تحقيق الكثير من البرامج، والرؤى، والأفكار التي آمنت بها، وأقامت ثورتها من أجلها، فأزيح بذلك الكثير من ركائز البنى للمشهد الطبقي المفترض والمؤمل لدكتاتورية البروليتاريا، ومعسكرها الإشتراكي العنيد، وهذا ما سارع بتقويض ذلك البناء العظيم، بل وبانهياره ايضاً، وهو أمرٌ لا يمكن أن يصدقه أحد لو عرض عليه قبل ربع قرن مثلاً..
نعم، لقد كان للطبقة العاملة حقوق، وامتيازات لا يستهان بها، سواء أكان ذلك في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، أم في الدولة الصناعية، أم في البلدان التحررية المتطلعة، وكان للعمال صوت عال، ونقابات، وصحف، واذاعات، وكان لها ممثلون في مجالس الشعب، والبرلمانات،ولها مؤتمرات أممية واسعة، وملتقيات، ومهرجانات، وأنشطة لا تعد ولا تحصى. وكان ليوم العمال في عيدهم صدى عظيم، فلا يمر الواحد من أيار كل عام في عموم العالم إلاَّ وكانت الملايين تعيش دقائق ذلك اليوم البهي بأفضل وأجمل ما يكون .. واليوم وبعد ( سقوط تجربة الاتحاد السوفيتي) وانهيار المنظومة السياسية والحكومية للطبقة العاملة، فقد بات للأسف الشديد يوم الواحد من أيار يوماً منسياً، لا يتذكره الا الأوفياء من اولئك ( المحاربين القدماء)، وبعض الأحزاب الشيوعية الشريفة -كالحزب الشيوعي العراقي- وبعض النقابات التي تتذكره من باب الإلتزام الشكلي لا غير.. أما الآخرون – خاصة في العراق – فإنهم يحتفلون بعيد الشجرة أكثر مما يحتفلون بعيد العمال، في حين أن الكثير من القوى السياسية المعادية للطبقة العاملة ما زالت مرعوبة من ذكر اسم (العمال)، ومن يوم عيدهم، ومن حقوقهم، والمرور على نضالاتهم، وسبب ذلك يعود برأيي الى أن للعمال تاريخاً عظيماً، ومستقبلاً زاهراً حتماً، وأن (للبروليتاريا) قمراً يكمن خلف الغيوم السوداء التي يمر بها العالم اليوم، وناراً لايمكن أن تنطفئ بعد الف عام، بعد أن يزول هذا الرماد الأسود ، وهو زائل لا محال.


