فالح حسون الدراجي
رحم الله الكاتب، والروائي الساخر، المناضل الوطني الراحل شمران الياسري (أبو گاطع)، فقد كان لاذعاً، وحاداً، وواعياً لكل كلمة يقولها.. كما كان (مختصراً) بما يريد قوله.. فيعبِّر عن أمر قد يراه غيره مهماً يستحق كتباً ومجلدات، بينما يختصره هو بكلمة واحدة، او بكلمتين يقولهما على لسان صاحبه (خلف الدواح)، وقد تكون هاتان الكلمتان مبهمتين يصعب فهمهما، لكنهما كافيتان لتوضيح قصده، وشرح هدفه دون حاجة للتفسير. فـ(تهي بهي) مثلاً، كلمتان كان يقولهما شمران، فتلخصان ما في صدره من أسى، ومن سخرية، وتندر، واستهزاء أيضاً !!
واليوم وأنا أرى امامي ألف أمرٍ يستحق السخرية والتندر والاستهزاء، لا تحضرني غير(تهي بهي مالة أبو گاطع).. فأتخيله يصرخ بأعلى صوته (بلابوش دنيا)، ساخراً من هذه المهازل التي تحصل في ملعب حكومتنا الوطنية… !!
لقد شعرت بغيرة وألم شديد، وحرج أشد في عراقيتي، وأنا أقرأ تصريحات الرئيس التركي أردوغان، وتهديدات رئيس وزرائه بن علي يلدرم، الموجهة بشكل مباشر الى الولايات المتحدة الأمريكية.. نعم الى الولايات المتحدة الأمريكية وليس الى جيبوتي أو ساحل العاج، وهما يطلبان من (أمريكا) تسليم المعارض التركي فتح الله غولن دون تأخير بل أن الأمر وصل حد أن يبلغ اردوغان نظيره الأمريكي أوباما بضرورة حسم ملف تسليم غولن (المتهم) بالوقوف وراء الإنقلاب العسكري خلال أيام، وليس خلال أسابيع، والأغرب أن أوباما وافق ولا أقول رضخ لهذا التهديد.. فقبل بتسليمه الى أنقرة بعد تنفيذ بعض الإجراءات التقليدية تحت ذريعة العمل باتفاقية تبادل المطلوبين التي تم توقيعها بين البلدين قبل ثلاثين عاماً.. وللحق فإن تركيا منذ الإنقلاب العسكري الذي اتهم فيه المعارض المقيم في أمريكا فتح الله غولن بتدبيره والوقوف خلفه وهي تواصل ضغطها ليل نهار على حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وبمختلف الأساليب، والوسائل، من أجل تسليمه.. ولم يتوقف الأمر على الدعوات التلفزيونية التي وجهها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، ولا على المباحثات اليومية التي تجري دون توقف بين وزارات الخارجية والداخلية والعدل التركية مع نظيراتها الأمريكية واستجابة الحكومة التركية لأية نقاط توضيحية تطلبها الجهات الأمريكية ذات الشأن، إضافة الى توفير أدلة جنائية تدين فتح الله غولن، وحركته المتهمة بالإنقلاب، حسب الرواية التركية الرسمية، حتى أن البيت الأبيض أعلن رسمياً أن اوباما لم يكتف بدعم الديمقراطية وتأييد الحكومة التركية المنتخبة فحسب، ولا بإدانة الإنقلاب العسكري فقط، إنما أكد على براءة أمريكا من (إثم) الإنقلاب العسكري التركي.. إن هذا التنازل يأتي بسبب وجود حكومة تركية (بيها حظ). حكومة لها كرامة، وتشعر باعتزاز كبير بحجمها وحجم بلادها، رغم ضآلة هذا الحجم أمام الغول الأمريكي.
لذلك نجد ان حكومة أردوغان، التي تحترم نفسها، قد أجبرت أكبر الدول في العالم على احترامها، واحترام طلباتها الحازمة حتى لو وقعت هذه الطلبات خارج الحدود الإنسانية والديمقراطية!!
ولو قارنا بين النشاط الدبلوماسي، والأمني، والسياسي، والعسكري الكبير الذي تبذله الحكومة التركية من أجل استرداد مواطن تركي يقيم لاجئاً سياسياً في أمريكا، أي في البلد الذي يعتبر قلعة من قلاع الديمقراطية في العالم، فأرسلت أربعة ملفات الى الولايات المتحدة لتسليم غولن، مع أن الرجل مشتبه به لا غير، قياساً (بالجهود) التي تبذلها الحكومة العراقية لاسترداد المجرمين المحكومين بأعلى العقوبات من قبل القضاء العراقي، أمثال المجرم طارق الهاشمي المحكوم بالإعدام لارتكابه جرائم إرهابية وآخرين كثيرين غيره لا يسع المجال لذكرهم جميعاً. وقبل أن تتم هذه المقارنة، يجدر بنا ان نطرح السؤال التالي، ونقول:هل ان الحكومة العراقية بذلت فعلاً جهوداً لاسترداد هؤلاء القتلة، وإذا كانت قد بذلت مثل هذه الجهود، فما هي النتائج المتحققة في هذا الملف المهم والخطير؟،
أما إذا لم تتحقق النتائج المطلوبة، فما هي الإجراءات التي اتخذها العراق بحق الدول التي امتنعت عن التعاون معه في هذا الملف؟
بالمناسبة، ومن باب السخرية السوداء، فإن المجرم الهارب طارق الهاشمي يقيم الآن في تركيا.. فتصوروا عهر المؤسسة الحكومية التركية التي ترفض تسليم مجرم إرهابي محكوم بالإعدام من قبل القضاء العراقي، كان ولم يزل يلعب دوراً تحريضياً كبيراً ضد العراق حكومة وشعباً وأرضاً وأمناً، ووحدة.. فضلاً عن نشاطه المحموم لإسقاط العملية السياسية في العراق، ودعواته الطائفية التي لم تتوقف ضد أحد المكونات العراقية.. بينما تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل تسليم مشتبه تركي لم ينظر القضاء بقضيته حتى هذه اللحظة! ألا يستحق هذا الأمر مثلاً، أن نطلق الـ(تهي بهي مالة أبو گاطع) على حكومتنا الوطنية جداً ؟!

