ثقافية

أمير الصعاليك ( جان دمو ) في ذكراه الـ 23

هادي الحسيني

‏ مثل امرأةٍ ثكلى خيّم الحزن على أصدقاء الشاعر (جان دمو) حين رحل عن الدنيا ‏في يوم 8/5/2003 .كان جان وأسمه الحقيقي ( يوخنا ممو ) من انبل صعاليك ‏بغداد ، رحل في غربته البعيدة استراليا تاركاً ذكريات طويلة عريضة على موائد ‏المقاهي والحانات البغدادية الجميلة ، وقد أكتسب شهرته منتصف ستينيات القرن ‏الماضي بعد أن فبرك الدكتور ( جليل العطية ) نشر أسم جان دمو الذي لم يكن ‏معروفاً آنذاك في جريدة ( صوت العرب ) في ظل خبر عن المستشرق الكندي ‏المعروف ( جان دمو ) والذي كان حينها يقوم بزيارة أولى الى بغداد وقد أشتهر جان ‏دمو الشاعر منذ ذلك الوقت وأصبح ظاهرة شعرية فريدة في تاريخ الشعرية العراقية : ‏يجتمع من حوله في حانة روافد دجلة وحانة إتحاد الأدباء شعراء شباب تعلموا منه ‏الإخلاص الى الشعر وحده .. وكنت حين أقرأ قصيدة لجان في بغداد أو عندما كنا في ‏عمّان منتصف التسعينيات أحس أنني اقرأ لشاعر أوروبي أو لشاعر مشاكس متمرد ‏على واقعه بكل وضوح ، ودائماً ما تكون قصائده موجزة مختصرة لكنها شديدة ‏التكثيف في الصورة وإنبهار في المعنى وفي تراكيب جمله .‏

‏ ويشبّه جان دمو القصيدة ببحر متلاطم الأمواج وكيف تخرج بالآلىء من هذا البحر ‏؟ ويؤكد دمو في أغلب أحاديثه ان القصيدة ليست لها علاقة باللغة بل لها علاقة ‏بالجسد والروح والأعضاء والحضارة وهي ليست كيان لغوي بقدر ما هي كيان عقلي ‏صرف ..‏

في جلساتنا اليومية داخل العاصمة عمّان كان جان يحدثنا عن الشاعرة الامريكية ‏المنتحرة عام 1963 (سيلفيا بلاث ) والتي ترجم لها العديد من القصائد وكان من ‏أشد المعجبين بالشاعر الكبير سعدي يوسف ويعتبره مثله الأعلى في الشعر . جان ‏يزور سعدي في شقته بمنطقة شميساني ويتبادلان الحديث الطويل عن الشعر والمنفى .‏

لقد تعرض الشاعر جان دمو في حياته الى الكثير من التهميش والإقصاء والقهر ‏والإضطهاد والفقر والجوع والنوم فوق أرصفة الزمن المّر وعلى مدى عقود ثلاثة أصبح ‏في العراء لكنه كان يمسك بالقصيدة وبثقافة عالية مكنته من التألق في نقاشاته النادرة ‏والتي كنت أصنعها في أغلب جلساتنا وأتركه يتحدث بحرية تامة بالرغم من ان ذلك ‏يحدث نادراً بسبب قيلولته الطويلة مع الخمرة التي تجعله في سبات عميق .‏

كنتُ أحفز جان كثيراً على كتابة الشعر وعندما يكتب قصيدة صغيرة كنت أبعث بها ‏للنشر باحدى الصحف فيحصل جان على مكافأة تعينه على الغربة البائسة التي كنا ‏نعيشها في تسعينيات عمّان وكنتُ أجمع وأحفظ كل قصيدة أرسلها للنشر ، وهو ‏يؤرخ لآلامه وآلامنا عبر نصوص صغيرة إلا انها تتفوق على الألم واللوعة والهروب من ‏الواقع فتبدو مثل العلاج الوقتي .‏

‏ يقول جان في واحدة من تلك القصائد التي كتبها عام 1997 في عمّان :‏‎ ‎

لو تمتعتُ بقيلولة تمساح

لما واجهت الكوارث التي واجهتها

أين يكون المفتاح ؟

في الرحيل الى الأمازون

المسعورون ايضاً معنيون بهذا السؤال ..‏‎

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان