ألاخيرة

في الذكرى الخمسين لاغتيال بازوليني.. المخرج الإيطالي الذي دفع حياته ثمناً لموقفه النقدي ومواجهته للفاشية بأشكالها السياسية والثقافية

أسامة عبد الكريم

السينما كفكرٍ موازٍ: بازوليني ناقداً قبل أن يكون مخرجاً

بعد أكثر من خمسين عاماً على اغتياله، يظل بيير باولو بازوليني واحداً من أكثر المبدعين الإيطاليين جدلية وإثارة للتفكير، ليس فقط كمخرج أو شاعر، بل كمفكر ناقد يرى في الفن وسيلة للكشف عن الواقع الاجتماعي والسياسي. في كتاباته المبكرة، وخصوصاً النص المترجم إلى الإنجليزية عام 1957 تحت عنوان Notes on Film، يضع بازوليني أسس مشروعه السينمائي والنقدي، حيث يرى أن الصورة في السينما ليست مجرد وسيلة للحكاية أو الأداء، بل أداة للكشف عن الحقيقة الاجتماعية والأخلاقية. هذا المفهوم ليس منفصلًا عن أعماله الأدبية، فقد بدأت تجربته في روايتين « فتيان الشوارع»و « حياة عنيفة» حيث يصوّر الهامش الاجتماعي في روما بلا بطل مركزي أو نهاية مرضية، ويقدم الشخصيات كأجساد حقيقية تتصارع مع العنف والفقر والاغتراب، بعيداً عن أي تلطيف أو توجيه أخلاقي. في رواية حياة عنيفة، يظهر تدخل السرد الواعي أكثر وضوحاً، من خلال شخصية تومّاسو التي تحاول فهم محيطها، لكنها تصطدم باستحالة الخلاص، مؤكدة أن إدخال المعنى إلى حياة الهامش هو عمل عنيف في ذاته.

هذه الرؤية الأدبية تلتقي مع نقده لفيلم فيديريكو فيليني ليالي كابيريا، إذ يرى بازوليني أن فيليني يقدم العالم الهامشي بوصفه قصة إنسانية قابلة للاستهلاك، فتتحول معاناة كابيريا إلى تجربة عاطفية تمنح المشاهد عزاءً أخلاقياً، بينما يصر بازوليني على تصوير الهامش كما هو، بلا تجميل، ليظل الجسد والهامش وثائق حقيقية للواقع الاجتماعي. في نصه المبكر، يميز بازوليني بين الصورة التي ترى الواقع وبين الأداء الذي يحوّل الواقع إلى تمثيل، وهو ما يجعله ينتقد الأداء المكثف لآنا مانياني في الفيلم، لأنها تمثل التمثيل المكثف بدل أن تكون جسداً حياً يعكس الواقع. هذا الصراع بين الصورة كوثيقة والأداء كتمثيل يعكس فلسفته الأدبية والسينمائية، حيث الجسد والهامش لا يخضعان للسرد، بل يفرضان وجودهما الحقيقي.

يتضح هذا المنطق أيضاً في أعماله السينمائية المبكرة مثل Accattone وMamma Roma، حيث يستخدم الممثلين غير المحترفين، واللقطات الطويلة، والتكوينات البسيطة لتصوير الهامش كما هو، بلا أي تحسين أو تزيين. إن نقده لفيليني ليس مجرد اختلاف ذوق، بل خلاف أخلاقي حول وظيفة السينما: هل عليها أن تمنح المشاهد عزاءً وجمالًا أم أن تكشف الواقع كما هو؟ بالنسبة لبازوليني، أي تدخل جمالي يخفف من هذا الصدام هو خيانة للواقع الاجتماعي. الصورة بالنسبة له أداة كشف، والسرد يجب أن يبقى في خدمة التحليل، لا التلطيف.

لم يكن وعيه السياسي والجمالي وليد تجربة الإخراج، بل سبقها بسنوات. ففي مقاله المبكر حول ليالي كابيريا يظهر ككاتب يختبر السينما كلغة مستقلة، قادرة على إنتاج المعنى خارج سلطة السرد التقليدي. دخول بازوليني إلى السينما لم يكن قطيعة مع الأدب، بل امتداداً لممارسة فكرية ترى في الصورة أداة تحليل لا تقل قدرة عن الكلمة، وتجعل من الفن ممارسة أخلاقية. بعد خمسين عاماً على اغتياله، تبدو أسئلته حول الصورة والواقع والتمثيل أكثر راهنية من أي وقت مضى، فهو يذكّر بأن النقد شرط لفهم السينما وللمواجهة مع كل أشكال التزييف الجمالي والسلطوي. لم يقتل بازوليني لأنه صادم أو مبدع فحسب، بل لأنه اختار الاشتباك مع بنية السلطة في إيطاليا ما بعد الحرب، مواجهة أطاحت بالواجهة الديمقراطية الزائفة، وكشفت عن استمرار الفاشية داخل مؤسسات الدولة وثقافة الاستهلاك، وتجعل من فيلمه الأخير سالو أو 120 يوماً من سدوم فعل اتهام صريح للسلطة، وفعل كشف للجسد والعنف كأدوات لإدارة المجتمع. بهذا المعنى، يظل إرثه مفتوحاً على إعادة القراءة، ليس كذكرى مغلقة، بل كمشروع فني وسياسي مستمر، يدعو إلى مواجهة الواقع بلا رتوش، وإلى اعتبار الصورة لغة أخلاقية قبل أن تكون جمالية، والسينما ممارسة تتحدى كل تزييف اجتماعي أو ثقافي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان