فنانة عراقية استطاعت بألوانها وأحاسيسها أن تنقل لنا رؤية مختلفة للواقع، حيث تمتزج فيها الأصالة بالحداثة، والجمال بالمعنى. حملت فرشاتها قضايا المرأة والإنسان والمكان، وجسدت على لوحاتها هموم الوطن وأفراحه بأسلوب تشكيلي فريد يجمع بين الواقعية والرمزية.
إنها إيناس الياسري، فنانة تشكيلية وضعت بصماتها في العديد من المعارض المحلية والدولية، ونالت جوائز تقديرية، وكرمتها جهات عدة. حاورناها في بغداد لتحدثنا عن تجربتها الثرية، ورحلتها مع الفن، وعن رسالتها التي تؤمن بأن اللوحة قادرة على تغيير النظرة إلى الحياة والفن.
تقول عن البداية: إن الرسم يجري في عروقي منذ الصغر، ولم تكن هناك لوحة محددة، بل حالة تعلق دائم بالألوان والورق. كنت أرسم كل ما يثير فضولي، ووجدت في الرسم مساحة للتعبير عن عالمي الداخلي، وأذكر أن رسوماتي البسيطة كانت تثير إعجاب المحيطين بي، مما عزز لدي حب هذا الطريق، وإحساس الطفولة هذا بالنقاء والصدق ظل نبراسا في مسيرتي.
وتضيف الياسري: لقد نشأت في بغداد وسط أسرة محبة للفن، فكانت خير سند وداعم لي. والمجتمع العراقي، رغم ظروفه، يكن احتراما كبيرا للفن والفنانين، وهذا شجعني. وكان التحدي الحقيقي يتمثل أحيانا في توفير المواد الفنية الجيدة، لكن الأصعب كان في تحويل حب الرسم إلى مهنة يمكن العيش منها. وانتقلت بالرسم من هواية إلى رسالة عندما شعرت بأن لوحاتي تحمل جزءا من روحي، وعندما بدأت أتلقى طلبات لشراء أعمالي. وما زلت أذكر أول لوحة بعتها، فهي لا تزال عالقة في ذهني، وكانت لحظة فارقة أكدت لي أن الآخرين يرون قيمة فيما أبدع. وكان أول معرض لي نقطة التقاء مهمة مع جمهور أوسع، منحني ثقة وجرأة لاكتشاف آفاق جديدة.
وعن الألوان والأفكار الفنية تؤكد الياسري: علاقتي بالألوان وثيقة جدا، فهي لغتي التي أعبر بها عما أحمله في داخلي، وعلاقتي بها أشبه بعلاقة الصديق الحميم. واللوحة الزيتية تتسع لعوالم من الإحساس، وأسعى دوما لأن تكون أعمالي مفعمة بالحياة والعاطفة. أما بالنسبة للألوان، فأنا أميل إلى استخدام درجات الأزرق، فهو لون اللامتناهي والصفاء، وأجده يعكس رحلة البحث عن السلام الداخلي. كما أنني أعشق الأسلوب الخاص الذي لا ينتمي إلى مدرسة محددة بصرامة، وإنما هو نتاج تراكم الخبرات والتأثر بمختلف المدارس. وأطمح إلى تطوير لغة بصرية قابلة للتطور، تعبر عن رؤيتي للعالم وتلامس وجدان المتلقي بصدق وانسيابية. كما أميل إلى دمج الواقعية، التي تمثل أساسا متينا في التكوين، مع لمسات تعبيرية تعكس المشاعر.
وعن موضوع الأفكار والمرأة في الفن تقول: بصراحة، إن الموضوعات المسيطرة على لوحاتي تتمحور حول قضايا المرأة والهوية، وأجد في تفاصيل الحياة اليومية مصدرا للإلهام لا ينضب. فالمرأة العراقية والعربية، بكل ما تحمله من قوة وهشاشة وأحلام وتحديات، هي بطلة أعمالي، وأسعى إلى توثيق حضورها وتفاصيل حياتها، وتسليط الضوء على جمالها الداخلي والخارجي. ولأن الجمال رسالة بالنسبة لي، فإن الجماليات والرسالة عنصران متكاملان. فاللوحة الجيدة تقنع العين، واللوحة العظيمة تلامس الروح. لذلك أركز على بناء تكوين بصري جذاب، ثم أغرس فيه رسالتي بهدوء، تاركة للمتلقي مساحة لاكتشافها وتأويلها. وعندما تكون الرسالة جزءا عضويا من النسيج البصري، فإنها تصل بلطف وفعالية في آن واحد.
وعن الألوان التي تفضلها الياسري تقول: بلا شك، إنني أفضل العمل بالألوان الزيتية، فهي تمنحني مرونة لا نهائية في المزج وبناء الطبقات، كما تتيح لي وقتا أطول للعمل على التفاصيل والمزج بين الألوان. ودرجات الألوان الزيتية غنية وعميقة، مما يساعد على إضفاء عمق وحيوية على اللوحة. أما اختيار عنوان اللوحة، فيأتي غالبا بعد الانتهاء من العمل، عندما أجلس وأتأملها ككل، عندها تبدأ الكلمات في التبلور، وكأن اللوحة تهمس باسمها. وفي أحيان نادرة، قد تكون الفكرة قوية إلى درجة أنها تسبق العمل.
كما تؤكد أن ردود فعل الجمهور العراقي، الذي يتميز بذوقه الرفيع وحسه الفني المرهف، تجعله يقرأ اللوحة بعين البصيرة، أما الجمهور العربي فيتميز باتساع الأفق، في حين يهتم الجمهور الغربي بالجانب التقني والنظري. والاختلاف موجود، لكن حب الفن يبقى قاسما مشتركا.
وتضيف: إن أصعب التحديات التي أواجهها هي الموازنة بين واجباتي الحياتية وعشقي للفن، كما أن استمرارية الدعم المادي وتسويق الأعمال يشكلان تحديا مستمرا. إضافة إلى ذلك، فإن التقلبات الأمنية والاقتصادية في العراق أثرت سلبا في الحركة الفنية بشكل عام.
وعن تسويق الأعمال الفنية وأحلامها المستقبلية تؤكد الياسري: إن تسويق العمل الفني لا يقل أهمية عن الموهبة، فالموهبة وحدها ليست كافية، لأن الساحة الفنية تحتاج إلى إدارة ذكية وقدرة على التسويق. وقد يكون من المفيد التعاون مع مدير أعمال يساعد في هذا الجانب. وأنا شخصيا أعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لأعمالي، إلى جانب المشاركة في المعارض.










