الاخيرة

جماليات التعبيرية الرمزية ذات النزعة المعاصرة في أعمال الفنانة التشكيلية الجميلة لينا اسامة

 إلهام على عبد الهادي / مصر *

في رحلة يتداخل فيها التعبير الوجداني مع البعد الرمزي، في معالجة تتجاوز التمثيل الواقعي نحو بناء دلالي لا نهائي للزمان والمكان، نبحر في أعمال الفنانة المصرية الجميلة لينا أسامة.

لا تنتمي الفنانة (لينا) إلى مدرسة تقليدية بعينها، وإنما أراها تسبح في أكثر من اتجاه، ولكن من وجهة نظري فإن التعبيرية الرمزية ذات النزعة المعاصرة هي الأقرب؛ فأعمالها تميل إلى إبراز الحالة النفسية والوجدانية الداخلية للشخصيات، فهي لا تنقل المشهد الواقعي، وإنما تركز على ما وراءه.

كما توظف الفنانة (لينا) الجسد داخل أعمالها، من حيث الوضعيات والنظرات أو المفردات المحيطة، بوصفه رمزًا دلاليًا يحمل العديد من المعاني، مثل العزلة، والذاكرة، والزمن، والهوية الأنثوية، وأيضًا العلاقة بين الإنسان والمكان. هذا الحضور الرمزي للعناصر تؤكده نظرتها إلى الرغبة في التحرر النسبي من الأكاديمية الصارمة، ويظهر ذلك جليًا من طريقتها في المعالجة اللونية، ولجوئها إلى التحوير والتبسيط في الشكل.

وبما أنني كدارسة للفن والنقد أعشق دراسة الزمان والمكان، فأجدها تهتم بالزمن النفسي، تلك اللحظة الشعورية، لا الزمن الفيزيائي، وتعتبر المكان حالة وجودية، وليس مجرد خلفية في أعمالها، حيث يتداخل الماضي بالحاضر في علاقة تزاوج مملوءة بالشبق، وهذا يضعنا أمام حالة تعبيرية جديدة تمزج بين الرمز والتجربة الذاتية، فيها يتداخل التعبير الوجداني مع البعد الرمزي في معالجات تتجاوز حدود التمثيل الواقعي نحو بناءات دلالية مفتوحة للزمان والمكان. فالمكان ذهني، يعكس ذاكرة جمعية وفضاءً رمزيًا دائمًا، فهو يتحول تحت سيطرة فرشاتها إلى حامل للهوية، وليس مكانًا جغرافيًا معلوم التفاصيل. فهي تفكك مفهوم المكان الثابت، حيث لا أرضية واضحة، والشخصيات تسبح وتطفو داخل المشهد، والمفردات غنية برمزية مكثفة تعكس رؤيتها للمكان الثقافي الرمزي، كأنك تقف أمام مكان حضاري، أو سجل زمني مفتوح، أو ذاكرة أرض، أو خريطة أثرية. والزمن في أعمالها صراع معرفي نلمسه في نظرات الشخوص، كما تقدم لنا زمنًا متراكبًا، فهي لا تعبر عن زمن واحد، بل عدة أزمنة: زمن حضاري قديم، وزمن حديث، وزمن معاصر، هو زمن الرؤية الفنية ذاتها، زمن يعكس جدل الحوار بين الماضي والحاضر.

وترتبط الفنانة بالتراث المصري القديم، حيث يظهر تأثرها العميق، والذي لا أعتبره مجرد توظيف زخرفي أو استلهام شكلي سطحي، وإنما أعتبره مرجعية فكرية ورمزية تتجاوز حدود الاقتباس الشكلي. فهي تستدعي في أعمالها مفاهيم رمزية فلسفية مصرية قديمة، مثل مفاهيم الخلود، والروح بعد الموت، والزمن الدائري، والهوية المتصلة المستمرة، ولكنها تتعامل معها برؤية معاصرة، حيث تعيد توظيفها من خلال التفكيك والتركيب داخل بناءات تعبيرية قائمة على الحوار بين الماضي والحاضر.

والتأثر الشكلي، دون المحاكاة الحرفية، نلاحظه في العيون اللوزية الواسعة، والوضعيات الجانبية أو المواجهة الثابتة، والتبسيط المقصود للملامح، وحضور القناع والرموز الجنائزية. فهي، بتلك المبالغة التعبيرية، لا تسعى خلف الواقعية التشريحية، ولكنها تبتغي المعنى. كما نلاحظ استخدامها اللون، فنجد الأزرق، حيث يعبر عن اللانهائية، والكون، والروح، واللون الذهبي والأصفر ليرمز إلى الخلود، والزمن، والذاكرة، والأرض، واللون الأخضر الذي يرمز إلى البعث، والتجدد، والخصوبة، والرزق. فألوانها ذات دلالة واضحة في الحضارة المصرية القديمة، لكنها تستخدمها بحرية تعبيرية معاصرة.

في أعمالها قيم لونية تمنح اللوحة ديناميكية بصرية عالية، وقيم ملمسية تخلق عمقًا بصريًا وإحساسًا بالزمن المتراكم، وقيم إيقاعية تخلق إيقاعًا داخليًا غير منتظم، لكنه متوازن، وقيمة الوحدة والتنوع، حيث تظل اللوحة متماسكة بفضل مركزية اللوحة. كما أن أعمالها غنية بالقيم التعبيرية، فنقف أمام روعة التكثيف الانفعالي الذي يحدثه اللون، والذي يعكس التوتر والحياة والصراع، وربما الألم الوجودي. وهذا التحريف المتعمد للشكل ليس تشويهًا، بل تحويرًا تعبيريًا يخدم المعنى الذي تبغاه. والخطوط في أعمالها جاءت بوصفها انفعالًا يعكس حركة داخلية، لا وصفًا دقيقًا تشريحيًا، فهي خطوط حرة غير منضبطة.

إن تأثر الفنانة لينا بالحضارة المصرية القديمة تأثر تأملي نقدي، لا يقوم على تمجيد الماضي فقط، بل يضعنا أمام حالة من الحوار معه وإعادة مساءلته. فهي تضع الحضارة المصرية القديمة في حالة مواجهة بين الإنسان المعاصر وبين الذاكرة الحديثة وأسئلة مرتبطة بالهوية في زمن العولمة، فأعمالها تندرج ضمن الاتجاهات المعاصرة التي تستلهم التراث المصري بوصفه خطابًا فلسفيًا بصريًا.

في النهاية، الفنانة لينا صاحبة أسلوب تعبيري رمزي معاصر، وتنتمي إلى المنطلق الفلسفي الذي يعتبر الزمان والمكان بناءً ثقافيًا وجوديًا، وتتمركز قيمة أعمالها في أنها إعادة قراءة التاريخ بصريًا من منظور إنساني نقدي، وتمتلك القدرة على توظيف اللون والشكل والرمز لإنتاج خطاب بصري متعدد الدلالات. *ناقدة وفنانة تشكيلية

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان