أحمد فضل شبلول
تُعدّ قصيدة رثاء الشاعر السوداني يوسف الحبوب للشاعر المصري أمل دنقل (1940 – 1983) نموذجًا بارزًا لمرثيات الحداثة الشعرية، حيث تتجاوز البكاء التقليدي لتلتحم بالمشروع الثوري والوجودي الذي مثّله “أمير شعراء الرفض”.
يوسف الحبوب (المولود في أم درمان 1959 والمتخرج في حقوق الإسكندرية)، ينتمي إلى جيل الثمانينيات الأدبي في السودان، وهو من روَّاد قصيدة النثر. وتعكس مرثيته لدنقل عمق الروابط الإبداعية بين شعراء وادي النيل، وتتقاطع فيها تجربة الموت الشخصي بتجربة انكسار الحلم القومي والسياسي.
لا يبكي الحبوب في قصيدته جسد أمل دنقل الراحل، بل يبكي غياب “الصوت الاحتجاجي” الذي كان يرفض المساومة. ويتناص الحبوب مع روح قصيدة دنقل الشهيرة “لا تصالح”؛ فيصبح رثاء دنقل هو في الوقت نفسه صرخة رثاء للقيم العربية المنكسرة، وتأكيدًا على أن الموت البيولوجي لشاعر الرفض لا يعني موت الموقف الجمالي والسياسي الذي تركه.
يبتعد الحبوب عن الإيقاع الخليلي الرتيب للمراثي القديمة؛ مفضلاً تدفقًا شعوريًّا حرًّا يعتمد على الجمل القصيرة والمكثَّفة التي تناسب جلال الموت وحشرجة المرض (في إشارة لمعاناة دنقل في الغرفة رقم 8 بمعهد الأورام).
تهيمن على النص ظلال الموت، لكنها صور مشحونة بكبرياء الصعيد (مسقط رأس دنقل). وتظهر مفردات وتعبيرات مثل: شق عصا الطاعة، مغادرة الحلم، عنف الرياح، عرش الموت، سيف الضجر، الموت مفتاح الهوى، الموت عصفور الصبابة) لتخلق فضاءً طقسيًّا يجمع بين الحزن السوداني الشفيف والصلابة المصيرية لـ “الجنوبي”.
يتكئ الحبوب في رثائه على الرموز التي خلَّدها أمل دنقل في الوجدان العربي (مثل سبارتاكوس، وكليب، وزرقاء اليمامة). ويوظف هذه الرموز – بطريقة غير مباشرة – ليقول إن أمل دنقل لم يمت، بل تحول بدوره إلى “رمز أسطوري” يضاف إلى قائمة الشعراء والمحاربين الذين فضّلوا الموت واقفين على خنوع التصالح.
وقد لاحظنا أن القصيدة تخلو من العويل الباكي، وتتشح بـ “القوة الناعمة” التي تميز إبداع الحبوب؛ حيث تتحول فاجعة الموت بالسرطان إلى انتصار أخير للكلمة الحرة.
ويبرز البُعد الجغرافي والإنساني؛ فالمثقف السوداني يرى في الشاعر المصري مرآة لهمومه وانكساراته المشتركة، مما جعل القصيدة وثيقة إخاء شعري عابرة للحدود السياسية.
تقدم القصيدة قراءة نقدية لواقع الركود السياسي عبر رثاء غير تقليدي لأمل دنقل، محوّلةً موقفه الرافض إلى نهج حياة. ويمزج التحليل بين تفكيك اللغة المتمردة، والبنية الحركية المتصاعدة، وفلسفة الوجود التي ترى في الموت صوفيًّا طريقًا للحرية والخروج من “الزمان الطحلبي”.
تتأسَّس لغة القصيدة على المفارقة والتركيب الانزياحي الذي يخرق التوقع اللغوي التقليدي، ويربط الشاعر بين مفردات متنافرة لإنتاج دلالات جديدة. نرى ذلك في عبارة “الزمان الابتدائي”؛ حيث تنزاح دلالة “الابتدائي” من البراءة والبدء إلى الركود والبدائية السياسية والفكرية. وكذلك عبارة “موت… سكَّر”، حيث ينزاح الموت من كونه مرارة إلى عذوبة “السكَّر” لأنه موت يمنح الحياة للفقراء والشعراء.
يبدأ النص بجمل فعلية مضارعة ومتكررة (يأتي.. يأتي.. يأتي) لخلق حالة من الترقب والانتظار السيزيفي. ثم يتحول فجأة إلى الفعل الماضي (جاء.. شهق) ليعلن لحظة الحسم والتحول الوجودي.
يستعير الشاعر صياغات تراثية ودنقلية تاريخية مثل: “ألا نامت أعين الجبناء” (مقولة خالد بن الوليد) لإضفاء الشرعية الحماسية على موقف الرفض. “لا تصالح” (أيقونة دنقل الشعرية) كأمر لغوي جازم يكسر جدار الصمت والتواطؤ.
تقوم البنية الهيكلية للقصيدة على “النظام المقاطعي الحركي”، وتنقسم إلى ثلاث بنيات كبرى: بنية الترقب والانفجار (المقطع الأول): وتتحرك هندسيًّا من التردد (يأتي أو لا يأتي) إلى الصعود العنيف (شقَّ عصا الطاعة / شهق النجم)، وهي بنية تمهد لظهور البطل التراجيدي. ثم البنية الحوارية والتساؤل (المقطع الثاني): وتعتمد على آلية “السؤال والجواب” الضمنية (مَن يا تُرى..؟ الجنوب يا سيدي). هذا التركيب البنيوي يخلق صوتًا داخليًّا (مونولوج) يتحول إلى صوت جماعي يتحدى الموت (يا يافوخ عرش الموت). بنية التحفيز والنهوض (المقطع الأخير) حيث يكسر الشاعر الرتابة الزمنية عبر صوت “الساعة” النمطي (طق.. طق.. الساعة الآن تمام السادسة)، لينتقل البناء الهيكلي من التأمل الجنائزي إلى “الأمر الجماعي الحركي” (فلنقم.. مدُّوا السواعد.. هيَّا). ليتحول بناء القصيدة من الرثاء إلى البيان الثوري.
تطرح القصيدة رؤية فلسفية وجودية تعيد تعريف الحياة والموت، وتلتقي مع الفلسفة الوجودية (سارتر وكامو) في أن الإنسان هو موقف. ونلاحظ أن أمل دنقل في النص ليس جثة، بل هو “الموقف” الذي اختار أن يقول (لا) في وجه “الزمان الطحلبي” (الزمن الآسن، الراكد، المليء بالانتهازية).
تقلب القصيدة المفهوم البيولوجي للموت. فالحياة في الواقع المستسلم هي الدناءة والخطيئة (فالحياة هنا دنيئة / الحياة هنا خطيئة)، بينما الموت في سبيل الموقف هو الخلاص والولادة الحقيقية (الموت مفتاح الهوى / الموت عصفور الصبابة). هذا الفهم الفلسفي يرى الموت جسرًا صوفيًّا للعبور نحو “المستقر الحقيقي” في الحلم.
ينبثق النص من سيكولوجية معقدة تتأرجح بين “الإحباط الجماعي”، و”التعويض الإبداعي”: ويشعر الشاعر (والجيل الثمانيني) بالاغتراب الشديد داخل واقع كئيب مأزوم. ويظهر هذا الاكتئاب النفسي في لوعات النص (ستسحقنا الكآبة / سيف الضجر / أشياء مجرمة مخيفة). وللتغلب على صدمة موت “أمل دنقل” وصدمة انكسار الواقع، يمارس الشاعر “التماهي النفسي” مع البطل الراحل. ويتسامى بالوجع الفردي ليحوله إلى طاقة حشد نفسية، ويحول الخوف من الموت إلى حب وشغف (عصفور الصبابة)، وهو ما يمثل ذروة التحرر النفسي من الخوف من السلطة والموت معًا.
تتحول القصيدة إلى شبكة من العلامات والرموز التي تحيل على معانٍ مشفَّرة مثل علامات الطبيعة والثورة. فالمطر سيميائيًّا يحيل على الخصوبة والتغيير القادم، وأمل هو “القائم بأعمال المطر”. ويبرز الجنوب علامةً سيميائية تشير إلى الصلابة، والعناد، والصدق، والنقاء في مواجهة “شمال” يرمز للمساومة والزيف. ويرمز الجدار هنا للعائق السياسي أو القمع، وممزق الجدار هو الباحث عن الخلاص الجماعي.
ونلاحظ الثنائيات الضدية السيميائية: (المطر ↔ الضجر)، (الزيتون ↔ القنبلة)، (الجلوس ↔ الأمام). هذه الثنائيات تشكل شفرة النص الصراعية؛ فالزيتون (السلام / الحلم) لا ينفصل عن القنبلة (المقاومة / الموقف) لحماية “الماء” (الحياة).
إذا طبقنا نظرية التلقي على النص، سنجد أن القارئ العربي الذي يدخل إلى “قصيدة رثاء” يتوقع بكائيات، ودموعًا، وذكر محاسن الميت. الشاعر يكسر هذا الأفق تمامًا منذ السطر الأول؛ فلا نجد بكاءً بل نجد تحفيزًا وصدمة لغوية وإيقاعية. هذا الخرق يعيد تشكيل وعي المتلقي ليتحول من “مستمع باِكٍ” إلى “شريك في الموقف”.
ويترك الحبوب مساحات بيضاء وفراغات شاسعة في النص (مثل النقاط المفاجئة بعد: فالحياة هنا خطيئة…..). هذه الفراغات تحفّز “القارئ الضمني” لملء الفجوات بوعيه الخاص، واستحضار تفاصيل احتضار دنقل في غرفته بمستشفى الأورام، وتفاصيل الأزمات السياسية المعاصرة.
القصيدة لا تقدم وعظًا مباشرًا، بل تضع المتلقي أمام صوت الساعة النمطي الداهم (طق.. طق..)، مما يجبر القارئ على الشعور بالقلق والاضطرار للنهوض الحركي والنفسي، وبذلك يتلقى النص كـ “نداء للعمل” وليس كمجرد نص شعري للمتعة الجمالية.
درس يوسف الحبوب الحقوق في جامعة الإسكندرية في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات. في هذه الفترة، كانت الجامعة تمور بالحركات الطلابية، والوعي اليساري، والرفض السياسي. هناك، عاش الحبوب تفاصيل المشهد الثقافي المصري عن قرب، وتأثر بالمد الثوري الذي كان أمل دنقل أحد أعمدته الرمزية.
ولا تمثل قصيدة الحبوب هنا رثاءً من شاعر غريب، بل هي تجسيد لـ “المثاقفة النيلية”. فالشاعر السوداني هنا لا يرى في أمل دنقل رمزًا مصريًّا فحسب، بل يراه رمزًا قوميًّا يخص إنسان وادي النيل الذي يعاني من نفس الأزمات السياسية والاقتصادية.
كُتبت القصيدة في ثمانينيات القرن الماضي (بعد رحيل أمل في 21 مايو/آيار 1983)، وهي الحقبة التي أعقبت توقيع معاهدة كامب ديفيد (1979)، والتي اعتبرها جيل الرفض انكسارًا للمشروع القومي العربي، حيث تراجع المد الثوري وحلّ محله الاستسلام والبراغماتية. ونتذكر أن هذه الفترة تزامنت مع أواخر عهد حكم الرئيس جعفر النميري (1930 – 2009) في السودان الذي حكم خلال السنوات (1969 – 1985)، والاضطرابات التي قادت لاحقًا إلى انتفاضة أبريل 1985. ولعل خاتمة القصيدة (فلنقم.. مدُّوا السواعد.. إلى الأمام) تعكس غليان الشارع السوداني والمصري معاً ضد القمع والركود.
ينتمي يوسف الحبوب إلى جيل الثمانينيات في السودان، وهو الجيل الذي خاض معركة شرسة لتثبيت أقدام “قصيدة النثر” والتفعيلة الحرة في بيئة شعرية سودانية كانت لا تزال شديدة المحافظة والارتباط بالعمود الشعري الكلاسيكي. ويأتي شكل القصيدة المتشظي، والاعتماد على السرد، واستخدام أصوات من واقع الحياة (مثل صوت الساعة: طق طق)، ليعلن تمرد الجيل الجديد على البلاغة الرنانة القديمة. فالشاعر يرى أن الموت والرفض يحتاجان إلى لغة يومية حادة كالمشرط، لا إلى ديباجات لغوية منمقة.
وقد مات أمل دنقل بالسرطان عام 1983 بعد صراع مرير، وكان موته صدمة وجودية للمثقفين. وتكمن قيمة إضاءة الحبوب في أنه رفض إعلان الهزيمة. وبدلاً من أن يكتب مرثية تنوح على ضعف الجسد الإنساني أمام المرض، حوَّل الغرفة رقم (8) وموت دنقل إلى “منصة إطلاق” للثورة.
إن الموت في القصيدة ليس نهاية، بل هو “مفتاح الهوى” وعصفور يطير نحو المستقبل.
قصيدة يوسف الحبوب في رثاء أمل دنقل:
يأتي ..
يأتي ..
يأتي ..
أو لا يأتي ..
شق عصا الطاعة .. تحامل
جاء ..
شهق النجم أخيرا ..
“ألا نامتْ أعينُ الجبناء”.
**
من يا ترى قد غادر الحلم الفجائي
لم ينحنِ للريح أو الموتِ
أو للزمانِ الابتدائي
“الجنوب يا سيدي”
مَن قال: لا
“الجنوبي يا سيدي؟”
مَن له عنف الرياح وازدهارات الأجنة
في الحكايا القادمات
يا يافوخ عرش الموت
تذكّر ..
أن لونَ الماءِ في الحلم تفجر
أن زهو القامةِ الطولى
للأيامِ عنبر
أن موتَ اللحظةِ الأولى
للفقراء .. والشعراء
سُكَّر !!
**
أيها القائم بأعمال المطر
أنر الطريق
كللْ من طوقه سيف الضجر
“لا تصالح ..” لا ..
فالحياةُ هنا دنيئة
الحياةُ هنا خطيئة
….. في الحلمِ خيرُ المستقر.
نحن نعلمُ أنه طيرٌ ومزمارٌ وسيف
قد نغني اليوم عن حلمٍ
وعن خبزٍ
وأشياء مجرمة مخيفة
لا نلاقي غيرَ من حفرَ الجدار
أخرجَ الياقوتَ من عرضِ السماء
أهدى للمارين
زيتونًا
وقنبلةً
وماء
“من يشتهي أن يُلاقي اثنتين”؟؟
فليتبعْ
خطوَ الجبال الصامدة
وليخترق للطيبين
دربَ البلادِ الشاردة
**
عادت مياهُ النيل
للأرضِ السماء
عادت الأزمات
الضغط المهيمن في الموائد
والطقوس
.. طق .. طق .. الساعة الآن تمام السادسة
لا يكون الوقتُ خيرًا للجلوس
فلنقم
مدُّوا السواعدَ .. والموائدَ
والبيوتَ إلى الأمام
هيَّا ..
ستسحقنا الكآبة
هيَّا ..
الموتُ مفتاحُ الهوى
الموتُ عصفور الصبابة.









