أميرة ناجي
الفنُّ الحقيقيُّ لا يُزيّن الأشياء بل يُعيدُ للذاكرة صوتها القديم.
هناك فنانون يرسمون اللوحة، وآخرون يوقظون التاريخ من سباته. وفهد الصگر واحدٌ من أولئك الذين لا يتعاملون مع النحاس مادةً جامدة، بل كائنًا حيًّا يحتفظ بأسرار المدن القديمة وملامح الوجوه التي عبرت حضارات العراق منذ آلاف السنين.
إنه الفنان الذي يطرق المعدن كما لو أنه يعزف على وترٍ سومريٍّ قديم، فيخرج الشكل مشبعًا بروح المكان، ومحملًا بإرث بصري يمتد من بوابات بابل إلى شبابيك البصرة القديمة، ومن جداريات آشور إلى زخارف الأزقة الشعبية التي ما تزال تتنفس الحكاية العراقية.
في أعمال فهد الصگر لا تبدو الخطوط منفصلة عن الذاكرة، بل تتشابك معها في نسيج بصري غني، حيث تتجاور المرأة العراقية مع القباب، والخيول مع النوافذ التراثية، والألوان الحارة مع الرموز الشعبية، وكأن اللوحة محاولة لاستعادة وطن كامل داخل مساحة فنية صغيرة.
إنه لا يرسم المشهد كما هو، بل كما يسكن الوجدان؛ لذلك تبدو أعماله أقرب إلى الحلم الشعبي الذي يحتفظ بحرارته رغم مرور الزمن.
يعتمد الفنان في تجربته على تقنية الطرق على النحاس، وهي من أكثر التقنيات الفنية صعوبةً ودقةً، لما تتطلبه من صبر طويل وحس عالٍ بالتفاصيل.
فالضربة الواحدة قد تمنح السطح حياةً جديدة، أو تفسد انسجام التكوين بالكامل؛ لذلك تبدو علاقة الفنان بالنحاس علاقة تأمل وتأنٍّ، لا مجرد حرفة يدوية.
وما يميز تجربة الصگر أنه لم يكتفِ بالتقنية بوصفها مهارةً صناعية، بل حوّلها إلى لغة تعبيرية تحمل رؤيته الخاصة، إذ يمنح المعدن قسوةً خارجية تقابلها روح دافئة تنبض من داخل الشكل.
في إحدى لوحاته تظهر المرأة العراقية بثوبها الموشى بالألوان والزخارف الشعبية، تقف وسط فضاء معماري تراثي، فيما يمر الحصان فوق المشهد رمزًا للحركة والكرامة والحرية.
هنا لا يكون الحصان مجرد عنصر جمالي، بل امتدادًا لرمزية عراقية قديمة ارتبطت بالقوة والشهامة والسفر عبر الأزمنة. أما النوافذ والأبواب والأقواس فتبدو وكأنها شواهد على البيوت القديمة التي ما تزال تحفظ أصوات الجدات، ورائحة الخبز، وأغنيات المساءات البعيدة.
وتكشف أعماله عن وعي واضح بالعلاقة بين الفن والتراث؛ فهو لا يقتبس الرموز الحضارية اقتباسًا شكليًا، بل يعيد إنتاجها ضمن رؤية معاصرة.
فالقباب الإسلامية، والزخارف الشرقية، والتكوينات المستلهمة من الجداريات السومرية، تتحول في لوحاته إلى خطاب بصري حديث يمتلك هويته الخاصة، من دون أن يفقد جذوره الأولى.
وهذا ما يمنح تجربته فرادتها؛ لأنها تنطلق من الذاكرة العراقية، لا من التقليد العابر.
إن المتأمل في لوحات فهد الصگر يلحظ حضور اللون بوصفه عنصرًا نفسيًا وروحيًا؛ فالأحمر عنده ليس مجرد لون، بل طاقة حياة، والأزرق فضاء للتأمل، فيما تتوهج الذهبيات فوق النحاس لتوحي بقدسية الأثر القديم.
حتى التكرارات الزخرفية الصغيرة تبدو وكأنها جزء من إنشاد بصري طويل، يذكر بالمشغولات الشرقية القديمة، والسجاد الشعبي، والنقوش الإسلامية الدقيقة.
كما أن المرأة في أعماله لا تظهر جسدًا أو ملامح فحسب، بل رمزًا للأرض والخصب والذاكرة.
إنها المرأة التي تحمل ملامح المدن الجنوبية، وتختزن هدوء الأمهات العراقيات؛ لذلك تبدو ساكنةً من الخارج، لكنها مليئة بالحكايات من الداخل.
ولهذا تكتسب شخصياته بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الشكل إلى الإحساس.
لقد استطاع فهد الصگر أن يخلق لنفسه أسلوبًا بصريًا واضحًا يمكن تمييزه منذ النظرة الأولى، وهذا ما لا يتحقق إلا لدى الفنان الذي يمتلك مشروعه الحقيقي.
فهو لا يلهث خلف الحداثة بوصفها موضةً مؤقتة، ولا يتقوقع داخل التراث بطريقة جامدة، بل يمزج بينهما في توازن جمالي يجعل أعماله معاصرة ومتجذرة في آن واحد.
إن تجربته الفنية تمثل محاولة جادة لإحياء الحرف الفنية العراقية بروح تشكيلية حديثة، وتؤكد أن الفن قادر على حماية الهوية من التآكل والنسيان.
فحين يطرق الفنان النحاس، لا يبدو وكأنه يصنع لوحةً فحسب، بل كأنه يوقظ ذاكرة وطن كامل، ويعيد ترتيب الحكايات القديمة داخل لغة بصرية نابضة بالحياة.
وهكذا يبقى فهد الصگر واحدًا من الأصوات التشكيلية التي تؤمن بأن الفن وثيقة شعورية تحفظ روح المكان والإنسان.
ومن خلال النحاس والألوان والزخارف ينجح في أن يمنح التراث العراقي حياةً جديدة، ويحوّل اللوحة إلى مرآة تعكس عمق الحضارة العراقية الممتدة من الطين الأول حتى الضوء المعاصر.










