رحيم يوسف / بغداد
يُعد الفنان الدكتور عاصم عبد الأمير من الفنانين الذين يحتلون مواقع الصدارة في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، من خلال حضوره المتميز في هذا المشهد، عبر مجموعة كبيرة من المعارض الشخصية والمشتركة والجماعية، فضلاً عن ممارسته تدريس الفن في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل، وإصداره عدداً غير قليل من المؤلفات المتعلقة بالفن التشكيلي بمختلف توجهاته. ومن إسهاماته الجمالية اللافتة مؤخراً السطح التصويري المعنون «درون»، الذي نعمد الآن إلى تفكيكه وإبراز كوامن الجمال فيه.
يقول الإسباني بابلو بيكاسو:
«استغرق مني الأمر أربع سنوات لأرسم مثل رافائيل، لكنني احتجت إلى عمر كامل لأرسم مثل طفل».
يحيل هذا القول إلى مشقة الاقتراب من خيال الطفولة وعفويتها، وهو ما يعاني منه أي فنان يحاول الاقتراب من ذلك العالم العجيب الذي تسكنه الدهشة، المشفوعة بخيال لا تحده حدود، وبجرأة كبيرة كذلك. ولذلك قال بابلو بيكاسو قولاً آخر مفاده:
«كل طفل فنان، والمشكلة هي كيف يظل فناناً عندما يكبر».
وهذا القول يعزز رأيه الأول حول الطفولة وعوالمها.
إن الاقتراب من عوالم الفنان التشكيلي عاصم عبد الأمير يمثل اقتراباً من العفوية التي تتميز بها أعماله، وهي عفوية ذات بعدين؛ يتمثل الأول في مجموعة الرموز والإشارات التي يبثها في سطوحه التصويرية، فيما يتمثل الثاني في تأثره بالطفولة وعوالمها التي تمتاز بالغرائبية. وهو يقول، في حوار معه نُشر في صحيفة «الزوراء» العراقية:
«تأثرت كثيراً بفنون الأطفال، تلك التي تنطوي على خيال جريء وغير محدود. رأيت فيهم رسامين كباراً يعلموننا الجرأة، فاستلهمت روحهم دون أن أستنسخ أعمالهم».
من هنا، فإن الجرأة التي تتميز بها أعماله تعود، بكل تأكيد، إلى تلك العوالم التي امتازت بها فنون الأطفال، ولكن من خلال استلهام الروح الطفلية الكامنة في فنهم، دون استنساخ أعمالهم.
كلما ضاقت بنا الأيام والسبل، نجد أنفسنا مضطرين إلى العودة باتجاه الذاكرة. والذاكرة، فيما نكتبه الآن، ليست سوى طفولتنا التي نهرب باتجاهها، مع علمنا المسبق بأنها لا يمكن أن تقدم لنا حلولاً عملية. وبذلك، فإن هروبنا باتجاهها لا يمثل سوى محاولة يائسة ترمي إلى كسب الوقت من أجل استيعاب ما يدور حولنا من أحداث لا يمكننا احتمالها، لكننا نحتمل ونواصل ونستمر ونتعايش معها، كلٌّ بحسب طبيعة عمله وقدراته التي يمارسها.
ولعل واحدة من أهم تلك الأحداث هي الحرب، أو مجموعة الحروب التي شكّلت جزءاً مهماً من تاريخ هذه البلاد؛ تلك التي ما إن تدخل حرباً حتى تخوض أخرى أكثر حدة وقسوة، فيطيح من جرائها من لا حول له ولا قوة، بينما يجلس أبناؤها على التل من أجل المجد الزائف والنياشين بعد أن تنقضي.
هكذا نحيا في دورة زمنية غرائبية لا يتمكن غيرنا من استيعابها، بينما نستمر في تلقي مخرجاتها حتى أواخر أيامنا المحكومة بالقهر. وفي الفن بالذات، نحاول، من خلال تلك العودة، استدعاء رموز تنتمي إلى عالم الطفولة، كأن تكون ألعاباً أو إشارات تحمل طابع الدهشة؛ هذا الاستدعاء الذي يمثل وقوفاً بالضد مما هو مفروض تداولياً أو استعمالياً، بمعنى أدق، لتدمير تلك الدهشة وعوالمها عبر استخدام إحدى آلات الحرب.
وأقصد تحديداً الطائرة الورقية بوصفها معادلاً للدرون، واللتين تشكلان ركنين أساسيين في هذا السطح التصويري المشغول بعناية وإتقان من قبل الفنان الدكتور عاصم عبد الأمير، والذي يحمل عنوان «درون»، كما سيرد في ذهابنا باتجاه تفكيك مفرداته في هذا السياق الكتابي الذي نعمل عليه الآن.
حينما ننكص باتجاه تلك الطفولة، لا يمكننا تبيّن ملامحها، ربما لكونها طفولةً مشيخة، إذا جاز لنا التعبير؛ فقد وُلدنا شيوخاً بعد أن اغتصبتها التحولات السياسية التي مرّت بها، ولم نعد نحتفظ منها سوى بذكريات شبحية تشبه خيوطاً مقطعة لا يمكن ربط بعضها ببعض، لنستعيد ما يمكن استعادته في لحظتنا الراهنة.
عاصم، الذي يبني سطحه التصويري عبر مجموعة من المفردات التي تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة، لكنها في النتيجة النهائية تمثل كلاً واحداً، من خلال ترابطها مع بعضها بعضاً عبر العديد من الخطوط، سواء الخطوط الواضحة الممثلة على السطح، أو تلك الإشارية التي يمكن الإمساك بها من خلال روابط خفية تمتلك وضوحها في الوقت ذاته. والسطح لا يروي حدثاً قائماً أو ينتمي إلى الماضي، وإنما يحيل إلى حدث لاحق أو مؤجل، وذلك من خلال شبكة من العلاقات الافتراضية بين الإنسان والفضاء والأشياء الموزعة بدقة على السطح التصويري.
وابتداءً من العنوان «درون»، الدال على الطائرة المسيّرة، فإنه لا يحيل إليها فحسب، بل يفتح أبواباً باتجاه تأويلات تفضي إلى الموت والمراقبة بغرض الهيمنة، وتحدد المسافة التي تمتد بين القاتل والضحية، وبين العين والجسد. ويمكننا أن نلاحظ، منذ البدء، نوع النص البصري المبني بناءً استعاريّاً متعدد الطبقات، مبتعداً كلياً عن التمثيل المباشر للحدث، ضمن المسار الأسلوبي المعروف الذي يعمل عليه الفنان، ويمارس الحفر والتنويع من خلاله ضمن ذات المسار والتجربة.
وعلى الرغم من توزيع مفردات السطح التصويري بتعمّد واضح لتبدو وكأنها مفككة ولا رابط بينها، فإنها، بالتدقيق البسيط، تمثل كلاً واحداً داخل السطح، كما أشرنا. ولننظر ابتداءً باتجاه الطائرتين اللتين احتلتا ركني السطح العلويين، والوجه الإنساني المفكك، والأشكال المعمارية المشابهة للبيوت، والأوعية المتراكمة، والنخلتين، والخيوط البيضاء الممتدة عبر السطح، التي تبدو وكأنها خيوط للربط أو الاتصال، أو مسارات للطيران، لتفضي في النهاية إلى الهيمنة أو الترابط بين مكونات السطح.
في الجهة اليمنى، الطائرة الورقية، وبما يقابلها طائرة الدرون، وهما تمثلان مفارقة قصدية من الفنان؛ فبينما تمثل الطائرة الورقية الدهشة والحركة والانفلات، باعتبارها استعارة من لعبة طفولية كانت شائعة في زماننا، تحولت إلى نقيضها في زمننا المعاش، وذلك عبر الدرون التي تمثل آلة للحرب والموت والمراقبة. وهي، في آن واحد، آلة للمراقبة والموت، لتحد من حركة الإنسان وحريته، وتحصي عليه أنفاسه، كما هو واضح.
وما يعزز هذا الرأي هو الوجه الإنساني الذي يحتل مركز التكوين، وهو مفكك، من خلال تجسيده بطريقة تعمّد الفنان فيها التشويه، ليبدو وكأنه ذات متشظية. فالعين المفتوحة على وسعها، بشكل غير طبيعي، لم تُجسّد كعين تنظر، بل جُسّدت لتُراقَب، لتتحول إلى مركز للقلق الوجودي، بينما جرى اختزال الفم وتغيِيبه كإشارة إلى عجز الكلام أمام السلطة التي تراقب.
وهنا تصبح الرؤية موضوعاً للسطح، وليست مجرد وسيلة له. وبنظرة أخرى، فإن التشوهات القصدية للمُشخّص جاءت تمثيلاً للدور التدميري الذي تمارسه الدرون باعتبارها أداة للقتل. وفي الحالتين، فإن الضحية هو الإنسان، أو نحن جميعاً، باعتبارنا عزّلاً ونخضع للمهيمن الذي لا يتقبل معارضة من أي نوع. وبالنتيجة، فإن الفنان يقارن ضمنياً بين سماء كانت فضاءً للحلم والدهشة، وسماء أصبحت فضاءً للمراقبة والموت بعد أن تحولت إلى ذلك.
وتمتد حالة المراقبة باتجاه البيوت التي لا تحمل تفاصيل معمارية، والتي تمثل الذاكرة والاستقرار والحياة اليومية، لكنها حوصرت بشبكة من الخطوط والأشكال الهندسية، لتمنح إحساساً بالهشاشة. وحتى الأوعية المكدسة في وسط أسفل السطح لا تبدو وكأنها تمثل الحياة المنزلية، وإنما تحمل عبء الذاكرة أو الانتظار المستديم، بسبب تكديسها وثقلها.
كما أن المعالجات اللونية جاءت لتحمل ذات الإيحاءات؛ فاللون الأصفر الترابي لم يكن لوناً فحسب، بل يحمل دلالة حضارية، لأنه لون الأرض ولون المدن القديمة، أو الغبار الذي يتركه الزمن والحروب. أما البرتقالي والبنفسجي والأزرق، فيتمكن بها من كسر السكون والإحالة إلى طاقة داخلية تقاوم الذوبان في الخلفية.
وأخيراً، فإن «درون» لا تجسد طائرة مسيّرة فحسب، بل تكشف الخلل الذي أصاب علاقة الإنسان بالعالم، لتقول إن أدوات البراءة يمكن أن تتحول إلى أدوات للسيطرة والمراقبة والقتل، وكذلك عن الإنسان وهو يحاول إعادة تعريف معنى الأمان، ومعنى أن يعيش تحت سماء لم تعد آمنة.







