د. عصام عسيري
في لوحة قارئة الفنجان للفنانة المصرية الشابة رنيم علاء الدين Raneem Alaa Eldin ، لسنا أمام استعادة بصرية لقصيدة شاعرية وأغنية شهيرة فحسب، بل نرى محاولة لإعادة بناء عالم كامل من الذاكرة العربية؛ عالم تتداخل فيه القصيدة مع الأغنية والشاشة والسينما، والحنين بالفرح، والعاطفة بالقدر، والإنسان بالأسطورة. إنها لوحة كبيرة في مقاسها ١٨٠/٢٠٠سم، لكنها أكبر في طموحها التأويلي؛ إذ تتعامل مع الصورة كما لو كانت خشبة مسرح أو فيديو كلِب مزدحم الشخصيات والإشارات والذكريات.
رسمت الفنانة المطرب عبد الحليم حافظ كشخصية مركزية في قلب التكوين، بملابسه الرسمية وميكروفونه وهيئته وأدائه المسرحي، ليصبح بمثابة المحور الذي تدور حوله الحكاية. وحوله تتجاور وجوه وشخصيات وأشياء تبدو وكأنها خرجت من ذاكرة الأغنية المصرية ومن الثقافة الشعبية: امرأة تقترب وتقرأ فنجان القهوة، عازف بآلة نفخ موسيقية، ازهار وورود، وجه أسطوري في قرص الشمس، وحقول لونية تمتد خلف الجميع. هكذا لا تقدم رنيم قصة خطية، وإنما تصنع كولاجاً سردياً تتجاور فيه الأزمنة والرموز.
واللافت أن الفنانة لا تتعامل مع الزهرة باعتبارها مجرد عنصر تجميلي. فالزهور المنتشرة في أعلى اللوحة، والسيقان المتعرجة، والباقة الكثيفة في أسفل المقدمة، تتحول إلى استعارة عن الحياة وهي تنبت فوق أرض الذاكرة. في مقابل ذلك، يظهر الفنجان بوصفه رمزاً للبحث عن المجهول: الإنسان يريد أن يعرف مستقبله، بينما الفن يعيده دائماً إلى ماضيه.
هنا تكمن المفارقة الفلسفية الأجمل في العمل: قارئة الفنجان لا تقرأ المستقبل فقط؛ إنها تقرأ الذاكرة. والفنانة بدورها تقرأ هذه الذاكرة بصرياً، فتستخرج منها صوراً وألواناً وانفعالات وردية، ثم تعيد تركيبها في فضاء واحد.
أما اللون، فهو أحد أبطال اللوحة الحقيقيين. البنفسجي في الخلفية يمنح المشهد مسحة حلمية، بينما يشتعل الأصفر والذهبي في الوسط كضوء مسرحي، وتتدفق الأحمر والوردي والأخضر والأزرق في المقدمة بجرأة واضحة. هذا التناقض اللوني يمنح العمل طاقة احتفالية، لكنه في الوقت نفسه يقترب من اللغة التعبيرية التي لا تبحث عن اللون الطبيعي بقدر ما تبحث عن اللون النفسي.
وتكشف معالجة الشخصيات عن رغبة في التحرر من الواقعية الأكاديمية الصارمة. فالوجوه مرسومة بملامح واضحة، لكنها مشحونة بالمبالغة والتشويه التعبيري؛ العيون واسعة، الابتسامات متوترة، والملامس كثيفة، فيما تتجاور الخطوط الحادة مع العجائن اللونية. لذلك تبدو الشخصيات أحياناً أقرب إلى شخصيات مسرحية أو أقنعة للذاكرة منها إلى بورتريهات تقليدية.
تقنياً، تستفيد رنيم من الأكريلك والعجائن لإنتاج سطح غني بالملمس. وتبدو العجائن خصوصاً مهمة في تحويل اللوحة من مجرد سطح تصويري إلى جسد بصري له نتوءاته وطبقاته. فالزهور والنباتات والخطوط والملامس تمنح العين مسارات متعددة للحركة، فلا تُقرأ اللوحة من نقطة واحدة، بل يُعاد اكتشافها كلما انتقلت العين بين شخصية وأخرى.
في النهاية، تبدو قارئة الفنجان محاولة شابة وجريئة لتحويل أغنية إلى صورة، والصوت إلى لون، والحنين إلى مادة تشكيلية. إنها لوحة لا تقول لنا إن المستقبل مكتوب في الفنجان، بل تقترح شيئاً أكثر إثارة: ربما نحن الذين نقرأ الماضي في كل شيء، حتى حين نظن أننا نبحث عن المستقبل.
وهنا تنجح رنيم علاء الدين في نقل قارئة الفنجان من كونها قصيدة وأغنية محفوظة في الوجدان إلى مسرح بصري مفتوح على التأويل؛ مسرح تتداخل فيه الموسيقى والذاكرة والحب والقدر، وتظل شخصياته معلقة بين ما حدث، وما نتخيله حدث، وما نتمنى أن يحدث.









