منعم جابر
الكتابة عن الشهيد عمار جابر بالنسبة لي مهمة شاقة لأنه صديقي ورفيقي وأخي وقد تكون شهادتي له “مجروحة “للأسباب اعلاه .فقد عشنا سوية لما يقرب من ثلاثين عاماً لا نفترق الا للنوم فالبعض وجدنا اصدقاء والاخر عرفنا رفاقا والقريبين تأكدوا إنا اشقاء وكان لي تأثير كبير في حياته واختياراته .انتمى للحزب الشيوعي العراقي مطلع سبعينيات القرن الماضي ايماناً واقتناعاً وصار شيوعياً مثالياً يحب اصدقاءه يدافع عن الفقراء رافضاً ( للبرجزة ) والمظاهر . دافع عن مبادئ وقيم الحزب و دخل في سجالات كثيرة مع اعوان النظام. لعب الكرة مبكراً وكان مهاجماً جيداً مثل الفرق الشعبية ولعب لأندية الصليخ والبريد وفريق الحرس الجمهوري ،زامل نجوم الكرة العراقية ولعب معهم وضدهم . كان الشهيد يمتلك صوتاً جميلا صادحاً في اعياد الحزب واحتفالاته كان يردد الاغنية الريفية (نازل يقطار الشوگ ..نازل هاي ديرتنا ) وذكر في احدى كوبلياتها الرفيق الشهيد بشار رشيد اعتزازا و حباً هو ذلك عمار جابر .
عمار والموقف من سلطة البعث
ولد عمار في بغداد العام 1952 وعاش وسط عائلة تقدميه وأم تعشق الحزب الشيوعي وتدافع عنه وانتماءه للحزب كان طبيعياً . وقد عرف ازلام النظام المقبور بتوجهاته وحاولوا لأكثر من مرة مغازلته او ثنيه لكن عمار ظل سائرا حتى النهاية . وقد وجدوه حريصاً على حزبه وسلوكه خاصة ايام الجبهة الوطنية واثناء ظروف اعتقال كاتب السطور ومحاكمته حيث ظل شهيدنا حريصاً على التماسك الدعوة لإنجاح تجربه الجبهة الوطنية . لكن لصدام رأي اخر؟! وقد غادر عمار الوطن العام 1978 بعد انهيار العلاقات مع الحزب الحاكم . الا انه عاد العام 1979 بعد عرف بأن شقيقه الاكبر “كاتب السطور” اعتقل مرة ثانية ! وظلت عائلته بلا رجل. وهنا حاول اصدقاءه من البعثيين اقناعه بالعمل والتعاون معهم وطلبوا منه كتابة تعهد بعدم العمل مع الحزب الشيوعي وأن لا يعمل بأي حركة سياسية . وفي 24/1/1981 جاءت الى البيت ثلة من رجال الامن والحزب وطرقوا الباب: خرج لهم عمار الذي كان متواجداً وسأله احدهم: أين منعم؟ اجاب: في العسكرية . سأله ومن انت؟ قال شقيقه قال تعال معنا لخمس دقائق ! وفعلاً القي القبض على عمار ولم يعد حتى الساعة!
الشهيد يلعب لفريق الحرس الجمهوري
مطلع 1972 سيق عمار الى الخدمة العسكرية وتم اختياره الى فريق الحرس الجمهوري، وكان ضابط الالعاب لقوات الحرس هو الشخصية الرياضية باسم الربيعي، ومع معرفته بانتماء عمار الا انه غض الطرف.. وفي الاشهر الثلاثة قبل التسريح جاء تقرير يؤكد شيوعية عمار فأستدعى هذا البعثي (الشريف)عمار وقال له: عمار أنت شيوعي وهذا تقرير..أنا احترمكم واعرف منعم جيدا وانتم شيوعيين..سأبقيك في المطبخ للأشهر الباقية من خدمتك العسكرية! وفعلاً بقي عمار في مكانه الجديد حتى تسريحه من الخدمة العسكرية، وهذا موقف يحسب للعميد باسم الربيعي رغم الاختلاف بوجهات النظر.
نشاطات الشبيبة والحرب الرياضية
مطلع سبعينيات القرن الماضي نشطت منظمة اتحاد الشبيبة الديمقراطية في الاهتمام بالرياضة وفعاليات الفرق الشعبية، وهذه المنظمة لها ارتباط واقتراب كبير مع الحزب الشيوعي العراقي وقد نشط الشهيد وبعض رفاقه ومنهم كاظم عبود وبشار رشيد وكاظم خلف ورسن بنيان وموسى محسن وعادل كاطع وسعدي لايج وسلمان علي وقيس شاكر والعشرات من ألمع نجوم الرياضة العراقية في هذا المجال.. وتحركوا في اوساط الفرق الشعبية واقاموا بطولات وفعاليات على مستوى بغداد والمحافظات، بل أنهم اقاموا منافسات على مستوى الوطن، وبهذه الفعاليات توطدت العلاقات والصداقات، وارتبط التقدميون بعلاقات ود ومحبة وصداقة قوية اربكت النظام الفاشي وادت الى هجومه على الرياضة ونجومها ابتداء باعتقال الشهيد بشار رشيد في ايلول 1975 ورفيقه القائد الشيوعي كما شاكر لتبدأ سلسلة الاعتقالات والسجون والاعدام والمطاردة لسنوات طويلة!
اعدام.. ومقابر جماعية.. ورعب
بعد سقوط الدكتاتورية وتحطم الصنم، وبينما أنا سائر في احد شوارع بغداد شاهدت ضابط الامن المسؤول عن منطقتنا سلمنا على بعض واعتذر عما مضى وقال: لقد حاولت ان اكون معك وديا؟ اليس كذلك؟ قبلت اعتذاره، ولكني سألته: لقد كنتم ترومون القاء القبض عليَ لماذا اخذتم أخي عمار؟ قال: بصراحة نحن نريدك لكننا وجدناه امامنا، والتوجيهات تقول: اعتقلوا المشبوهين! وفي العام 1984 تم استدعائي وتبليغي بإعدام عمار! قلت لماذا؟ قال: لأنه شيوعي متعاون مع حزب الدعوة ومدان بتفجير مدرسة ! قلت: أين هي المدرسة؟ قال: هذا مو شغلك، وما كو فاتحة.. طرقت رأسي الى الارض. سألني هل أنت حزين؟ قلت له: نعم بالتأكيد. قال: لكنه خائن! قلت: هو لك كذلك أما لي فأنه أخي وابن امي وابي ولم تُستلم جثته.. فقلت أين جثته. قال: لقد دفنته الحكومة.. لأننا لا نفرق بينكم! قلت: أنتم قبضتم عليه في البيت، وها أنتم تبلغوني بالحضور. قال: انتهت المقابلة. ودفن عمار في احدى مقابرهم الجماعية التي ملأت الاراضي العراقية.. وظل نظام البعث الصدامي مرعوباً من بيوت واهالي المناضلين بمراقبتهم او من يزورهم ، ويسميهم العوائل الحاقدة.. غادر عمار الحياة شهيداً مكرَماً تحمل ذكراه الخير والحب للجميع، أما الطغاة فإلى مزبلة التأريخ وحفرها العفنة..






