ثقافة شعبية

” اسمي حسن”… كيف تمارس الدراما العراقية قوتها الناعمة؟

سندس حاتم علوان

ازداد في الآونة الأخيرة تناول مفهوم القوى الناعمة لما له من ضرورة في الحياة العامة، فضلا عن أثره الواضح في دعم قوة مؤسسات الدولة، و لما كانت الدراما  تمثل احدى اهم ركائز القوى الناعمة الى جانب القيم السياسية ، والسياسة الخارجية، والرياضة، والتعليم الاكاديمي والثقافة ،التي تنضوي تحتها الدراما ، فلقد انصب اهتمامنا بخصوصية دراما “اسمي حسن” بوصفها نموذجاً للقوة الناعمة في الدراما العراقية، وما تمتلكه من قدرة على تناول القضايا السياسية والفكرية المؤثرة في المجتمع، والمساهمة في تشكيل وعي الجمهور وإعادة استحضار الذاكرة التاريخية والاجتماعية والسياسية ، أو الثقافية على وجه العموم.

 يسلط مسلسل “اسمي حسن” للمخرج سامر حكمت وللمؤلف حامد المالكي الذي انتجته شبكة الاعلام العراقي،  الضوء على احداث وقعت عام 1982 في فترة حكم حزب البعث المنحل بما حملته تلك الفترة من ثقل تاريخي في العراق, فمنذ المشهد الافتتاحي للحلقة الأولى الذي جسد آلية الصراع الأيديولوجي بين التيارات القومية والإسلامية واليسارية في العمل الدرامي، يظهر تأثير الدراما في بلورة الوعي السياسي لدى الجمهور من خلال تفاعلاتهم في الفضاءات الرقمية التي تعدت مشاهدته أكثر من (5) خمسة آلاف مشاهدة منذ عرض الحلقة الأولى.

تدور احداث المسلسل بدءاً حول  ثلاثة شباب يتشاركون نفس الاسم  “حسن” لكل منهم توجه سياسي مختلف عن الاخر، لكن الأحداث لاحقاً تقتصر على شابين فقط ، مثل الأول الاتجاه الشيوعي الذي جسده الممثل (تحسين داحس )، فيما جسّد الاتجاه الثاني الإسلامي الممثل (امير إحسان) ، ومثلما تشاركا الاسم نفسه فلقد تشاركا المعاناة أيضاً التي تمثلت في مطاردتهما و اعتقالهما بتهم باطلة و ادانتهما بأدلة واهية ، وقد اشتركا في المصير نفسه حيث فشلا في اثبات براءتهما، وقد عالج المسلسل عبر سرد تلك الاحداث مواضيع عدة، منها فوبيا التعددية الايدلوجية و الخوف من الاخر ، وعلاقة الحب  بالايدلوجية ، فضلاً عن العنف السياسي. وقد كشفت هذه المواضيع عن الكيفية التي يتجسد بها الصراع الفكري داخل السرد الدرامي، وقدرتها على اعادة تفكيك الذاكرة وتوثيق التحولات السياسية المعقدة.

ولا تكمن أهمية مسلسل ” اسمي حسن ” في استعادته مرحلة تاريخية حساسة من تاريخ العراق فحسب، وإنما في قدرته على تحويل الدراما إلى أداة للتأمل الجماعي في الماضي وإعادة قراءة الأحداث بعيداً عن السرديات الأحادية. فالقوة الناعمة تعمل من خلال التأثير في الإدراك والقيم والاتجاهات، على العكس من القوة التقليدية التي تعتمد الإكراه، وذلك ما عمد إليه المسلسل عبر تجسيده لشخصيات تنتمي إلى توجهات فكرية متباينة من دون شيطنة أو تمجيد لأي منها. اذ أتاح العمل للمشاهد فرصة إعادة التفكير في طبيعة الصراع الأيديولوجي الذي طبع الحياة السياسية العراقية لعقود طويلة، وأظهر أن ضحايا الاستبداد والانغلاق الفكري لم يكونوا حكراً على تيار دون آخر، بل شملوا أطيافاً متعددة من المجتمع.

ولا جدال اذا قلنا إن مسلسل “اسمي حسن” قد مثل انموذجاً متقدماً للدراما العراقية التي أسهمت في بناء الوعي المدني وتعزيز ثقافة التعددية وقبول الاختلاف. فكلما نجحت الدراما في تقديم سرديات متوازنة تعترف بالتنوع الاجتماعي والسياسي، ازدادت قدرتها على أداء دورها بوصفها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة والمجتمع. ولعل نجاح المسلسل جماهيرياً والنقاشات الواسعة التي أثارها في الفضاء الرقمي يؤكدان أن الدراما العراقية قادرة على تجاوز وظيفة الترفيه إلى وظيفة أكثر عمقاً تتمثل في صناعة المعنى، وإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية، والمساهمة في بناء ثقافة سياسية أكثر انفتاحاً على الحوار والتعدد.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان