الإفتتاحية

بحال الصفصاف تخلوني!!

فالح حسون الدراجي

  رحل طارق الشبلي.. قيثارة الفيحاء.. ونغم العراق الدافئ.. وبرحيله فقد بقيت شجرة الالحان العراقية عارية إلا من بعض الأوراق اللحنية اليابسة التي لا نعلم متى تسقط هي الأخرى أيضاً.. 

صحيح أنها سُنّة الحياة الحتمية.. وصحيح أنها مثل ناعور الزمن الذي يدور على أرواح الخليقة كلها بلا استثناء.. ولكن، المشكلة أن هذا الناعور يدور على مبدعينا من دون أن تمنحنا الطبيعة فرصة للتعويض عما نخسره.. فهل عوضتنا الحياة بواحد مثل طالب القره غولي.. وقامة مثل قامة عباس جميل، وموهبة كبيرة مثل محمد عبدالمحسن، ومعجزة فنية غنائية نسوية مثل مائدة نزهت.. وقدرة فنية هائلة مثل ريا ض أحمد.. أو عوضتنا بفنان جميل مثل فنان الشعب فؤاد سالم؟

  دعوني أتحدث في هذا المقال عن خسائرنا في اللحن والغناء فقط، ولن أتحدث عن خسائرنا في الأدب، والسياسة، وميادين الفنون التشكيلية والمسرحية والرياضية، والنقدية، والصحفية. لأن التوغل في سجل خسائرنا بها جميعاً قد يحتاج لمساحة واسعة من الأسى، والوجع، والتدوين لا تكفي لها كل صفحات جريدتنا!!

   نعم كانت فجيعتنا بطارق الشبلي كبيرة، من النواحي الفنية الإبداعية، والوطنية، والإنسانية. لاسيما وإن (أبا زياد) هو أول من كسر أطر الأغنية المطوقة للنص الصوري الغنائي، وهو أول من هشّم (ستايل) الغناء السائد آنذاك، عندما أطلق بلحنه الجديد  أغنية (بحال الصفصاف تخلوني) في سبعينيات القرن الماضي، إذ أكد المتخصصون والنقاد الكبار، أن طارق الشبلي أرسل في هذه الاغنية إشارة واضحة لقدوم موهبة جديدة وممتلئة، سيكون لها حتماً  شأن كبير في أوتار اللحنية العراقية (الحداثوية) خصوصاً، وفي مناهج الموسيقى والغناء عموماً.. وإذا كان الكبير كوكب حمزة قد قلب موازين الأغنية رأساً على عقب في طيوره الطايرة، وكمال السيد صنع قطاراً غنائياً جديداً، سافر به الى (المگير) ليصعد منه نحو مدن المجد والتألق والشهرة.. وإذا كان طالب القره غولي قد حطَّم ( كونكريتية) الغناء السائد آنذاك.. وأجهز بمعوله الفني على سذاجة المفردة الموسيقية باستخدام مفردات موسيقية جديدة صريحة، تتناغم مع مفردات شعرية جديدة، جاء بها زامل فتاح من الشطرة الى العاصمة، ليجبر ملايين البغادلة  على سماعها والاستمتاع بها مثل أغنية (چذاب دولبني الوكت بمحبتك)، وإذا كان محمد جواد أموري (ردّ) مع حسين نعمة الى بغداد بواسطة عربة لحن أغنية (رديت واجدامي تخط حيرة وندم). فإن طارق الشبلي قد ذهب الى أبعد من كل هؤلاء القمم، حين أمسك بوعي متقدم، وموهبة فريدة، بتلابيب الجمل الموسيقية الرشيقة، وعنق الثيمة اللحنية الراقصة، ليدخلها الى عالم الجمال والغناء النسوي السحري الناعم.. وهل فينا من ينكر عليه رشاقة جمله الموسيقية واللحنية، وهي تتقافز على حبال صوت سيتا هاگوپيان الناعس، لاسيما في أغنية (بهيدة)..

    هذا هو المبدع طارق الشبلي موسيقياً وغنائياً، لكن يبقى الإبداع الأكبر كامناً في وطنية وإنسانية لحنه، وهو الذي تحمّل كل جور السلطة البعثية وضغوطها القاسية، وهي تتقصد، وتتعمد إيذاءه، والإساءة اليه، من أجل تحطيم عنفوانه الوطني. فقد كانت تصرّ على تسقيطه وإسقاطه بكل وسائلها القذرة، نكاية بإبداعه الوطني والسياسي الجميل الذي تجلى في أغنية (مگبعة ورحت أمشي يمه) تلك الأغنية التي كانت بحق أغنية المرحلة الوطنية في السبعينيات. لقد كان لي شرف التعامل مع الشبلي بعملين غنائيين، أحدهما كان عاطفياً بصوت الفنان رياض أحمد، والآخر سياسياً لحنه الراحل الشبلي  عام 2011، وهو أوبريت كتبته لمولد الحزب الشيوعي العراقي، بإسم (أنت باچر وأنت أمس) قدم على خشبة المسرح الوطني من قبل الفرقة البصرية.. وقد حقق نجاحاً فنياً عالياً..

   المهم قوله هنا أن طارق الشبلي فنان ممتلئ شجناً وإبداعاً وحداثة ومشاكسة موسيقية وفنية، من رأسه حتى قدميه.. وبقدر ما كان الرجل زاخراً بالوطنية، وزاهراً بالصبر، والتحمل، والأمل، فقد وهبه الله ما أراده، وما تأمل، وتمنى، بسقوط نظام الطغاة، ورحيل سلطة الجزارين الذين كسروا يد طارق الشبلي في زنزانات البعث الصدامي كي لا تعزف للفقراء والكادحين. لقد سقطوا جميعاً، بينما ظل اسم طارق مكللاً بالحب والإعجاب، والمجد الفني. وإذا كان الشبلي قد رحل أمس، فإن (المگبعة) التي لحن لها باقية الى الابد..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان