رأي الحقيقة
تستمرّ عملية التعطيل المقصودة، والواضحة للعيان، في ملف حسم منصب رئيس الوزراء، في مشهد سياسي بات يثير تساؤلات مشروعة لدى الشارع العراقي، الذي يراقب بقلق تكرار الأزمات وتدويرها بدلا من معالجتها. فبعض أطراف الإطار التنسيقي تبدو، وفق ما يظهر من مجريات الأحداث، وكأنها تعمل على إطالة أمد الأزمة السياسية، عبر تضخيم الخلافات وابتكار معرقلات جديدة كلما اقتربت لحظة الحسم.
لقد أصبح وضع “العصي في دولاب العملية السياسية” سلوكًا ملحوظاً، خصوصاً داخل البيت الشيعي، الذي يُفترض به أن يكون أكثر تماسكاً في إدارة الاستحقاقات الكبرى. وبعد أشهر طويلة من المفاوضات واللقاءات ومحاولات التقارب، يتضح أن هناك من يفضّل استمرار حالة “عضّ الأصابع” على حساب استقرار البلاد، وكأن الأزمة بحد ذاتها تحوّلت إلى أداة سياسية.
في المقابل، أظهرت القوى السياسية الفائزة، ولا سيما ائتلاف الإعمار والتنمية بوصفه الكتلة النيابية الأكثر عدداً، قدراً لافتاً من ضبط النفس والمرونة السياسية، رغم حداثة تجربتها. وقدّمت هذه الكتلة نموذجاً نسبياً في التعاطي العقلاني مع الأزمة، مقارنةً بحالة التعنّت والتذبذب التي طبعت مواقف بعض القيادات المخضرمة، والتي لم تنعكس خبرتها الطويلة إيجاباً على مسار الحل.
فمرّةً تُطرح أسماء تواجه اعتراضات داخلية أو إقليمية ودولية، ومرّة أخرى يتم اللجوء إلى مرشحين توافقيين على سبيل التسوية، مثل باسم البدري وغيره. لكن ما إن تقترب لحظة الحسم، حتى تتراجع تلك الأطراف عن خياراتها، لتعود إلى نقطة الصفر، في حلقة مفرغة تُبقي البلاد رهينة الانتظار.
اليوم، وبعد تجاوز المدد الدستورية التي أعقبت انتخاب رئيس الجمهورية، يبدو واضحاً أن هذا التعطيل المستمر قد أفرغ العملية السياسية من مضمونها، وأفقدها الكثير من ثقة الجمهور. وفي ظل هذا الانسداد، يبرز تفسير القاضي فائق زيدان لمفهوم “الكتلة الأكبر” بوصفها الكتلة الفائزة أولاً في الانتخابات، كخيار أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
إن تبنّي هذا التفسير قد يشكّل مخرجًا دستورياً ينهي حالة الجمود، ويضع حداً لإرادة التعطيل والتسويف، لصالح إرادة التشكيل وبناء الدولة ومؤسساتها. فالعراق اليوم لا يحتمل المزيد من الدوران في الفراغ، بل يحتاج إلى قرار شجاع يعيد الاعتبار للدستور، وينقذ ما تبقى من ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.
إن استمرار هذا المشهد لا يعني سوى تعميق الفجوة بين الطبقة السياسية والشارع، وهو ما يستدعي وقفة جدّية ومسؤولة من جميع الأطراف، قبل أن تتحول الأزمة من خلاف سياسي إلى أزمة ثقة يصعب ترميمها.

