جمعة عبد الله
الحدث الروائي يعتمد على منصات رمزية وفكرية متنوعة التعبير، وتكوين الصياغة التعبيرية بشكل بليغ في المعنى والمغزى، وكذلك على أنواع مختلفة من التناص، في براعة الابتكار في الصياغة الحديثة في سياق الحدث وتكوينه، وبراعة في الانزياح من عمق التاريخ القديم وجره إلى متطلبات المرحلة الحالية وواقع الحياة الفعلي، أي إنها براعة في خلق صياغة التناص ونسجه بصياغة حديثة في التعبير والرؤية الفكرية الناضجة والمدركة لواقع الحال، من سورة أهل الكهف إلى الموروثات التاريخية والشعبية والفنية، لتصب هذه المكونات أو المنصات في الحدث الفكري الدال على أحداث واقعنا ومجرياته الحالية، أي إننا إزاء سيميائية (علم الدلالة والإشارة) بشكل واسع الأفق والتعبير، رغم أن الحدث الروائي وشخصياته تتحدث عن العصر العباسي، ولكن دلالته تدل على الواقع الحديث في زمانه ومكانه، وهي بغداد المدورة ومحافظة ذي قار، التي شهدت أحداثا عاصفة من درامية الصراع الدموي في الفترة الأخيرة، التي اتخذت شكل العنف الدموي والقتل والموت الطائش والمجاني، في المواجهة الحادة بين شباب مثقف وواع يدرك حقوقية متطلباته المشروعة في العيش الكريم وحياة آمنة ومستقرة، في ظل تحقيق العدالة الاجتماعية وحياة بلا عنف وإرهاب.
نجد آلة القتل والموت بأسلحة حديثة وفتاكة ومتطورة حديثا، وليس أسلحة العصر العباسي من السيوف والرماح والنبال، وتناص أهل الكهف ليس في صيغته الدينية المذكورة، ولكن بصيغة حديثة نفسية وسيكولوجية، أي الخروج عن صومعة الصمت والتقوقع إلى النهوض والمطالبة والرفض، وحالة التذمر من البطش والتنكيل ضد الناس الأبرياء، لا تستند إلى قانون ونظام وشريعة، بل تنتمي إلى العنف المفرط من أجهزة النظام الطاغي، الذي يعتمد على القوة القمعية من الشرطة أو العسس في مواجهة الغليان الشعبي في مطالبه العادلة، في مواجهة الشباب المتمرد الذي يصر على مواصلة مطالبه المشروعة رغم الإرهاب والبطش.
الحدث الروائي يعتمد على حكايات يرويها الحكواتي، يسردها في المجالس والمقاهي، تقول إن هناك شبانا سبعة بدوا مع كلبهم الثامن، يخرجون من صومعة الكهف ويواجهون القتل من قبل العسس واحدا تلو الآخر، حتى كلبهم الوفي والحارس الأمين لم يسلم من القتل والموت. هؤلاء الشبان السبعة هم طلبة العلم والفكر والدراسة، مسالمون لا يحملون إلا الخير والفكر الحر، وأسماؤهم هي عنوان الجمال في البشر والطبيعة، بما أكمل الله من خلق من جمال يفيد البلد والناس بالخير في خصب ثمارهم الجميلة. وتبدأ أسماء الشبان السبعة حسب ترتيب خلق الكون والبشر في رقم سبعة، وأسماؤهم جميل وحلو ونور وضياء ونهار وقداح وريحان، وكلبهم الثامن الجميل ذو الشعر الأبيض.
هؤلاء الشبان السبعة، كل يوم يخرج واحد منهم من الكهف إلى الخارج، إلى السوق والمدينة بغداد المدورة، لطلب الخبز والماء، يصحبه الكلب الوفي معه، لكنه يتعرض للقتل والموت من قبل الشرطة أو العسس، وفي اليوم التالي تنشر الجريدة المحلية خبرا بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة ربما تعود لشاب بدوي، وأن الشرطة تجري تحقيقات لمعرفة أسباب القتل والتعرف على البيانات الكاملة. هذه الصيغة في ذكر الحدث المأساوي تتكرر مع كل شاب من هؤلاء الشبان السبعة، حيث يواجه مطاردة الشرطة أو العسس حتى تتمكن من قتله أو قطع رأسه، وتتَنصَّل من جريمة القتل والاتهام.
البعد الرمزي والفكري في خروج الشبان السبعة من الكهف إلى طلب الطعام والماء يعني مطالبة الشباب بالعيش الكريم وحياة مستقرة وآمنة من دون عنف أو إرهاب، وتعني هذه الدلالة الرمزية أن الصراع بين الخير والشر هو أزلي منذ العصور القديمة إلى عصرنا الحاضر، وأن الصراع بين الجمال والقبح مستمر ويدور ويتشكل بأوجه وصفات مختلفة ومتنوعة، وأن الصراع بين الفكر الحر النبيل وعقلية الإرهاب والقتل يظل حيا وقائما ويشتد أكثر عنفا في كل زمن، مثلما نجده في واقعنا الحاضر.
قوائم وركائز الصراع القائم حاليا بين العدل والباطل، الأول يملك العقل والوعي والإدراك والمحاججة والحوار، والثاني يملك لغة السلاح الفتاك، ولكن عندما يوجد ظلم وحرمان توجد ردة فعل بالرفض والتمرد والمقاومة بشكل طبيعي. وقد علمتنا تجارب التاريخ أن أصحاب العلم والفكر التنويري الحر هم ضحية الأنظمة الطاغية، وعلمنا التاريخ القديم الكثير من شهداء الحق والكلمة الحرة، فهم مطاردون، ونصيبهم الاعتقال والسجن والموت من الشرطة المغولية.
خرجت مفرزة العسس من بناية المكتبة المركزية يتقدمهم آمرهم المقدم، وهم يكبلون أيدي الشبان السبعة ويغطون رؤوسهم بأكياس قماشية سوداء لا يرى منها شيئا، وقد وضع كل عسس يده الأخرى على رأس شاب من الشبان السبعة فأحناه وأحنى ظهره، وأركبوهم العربة الخشبية وسارت بهم نحو مركز بغداد المدورة. هذا هو مغزى الصراع من أجل الحرية المفقودة، فطريقها ليس سهلا، بل معبد بالدماء والشهداء، والتضحية من أجل الوطن والمثل والمبادئ العليا تتطلب جهدا وكفاحا متواصلا، بجمع صفوف الشعب في كتلة موحدة في الصمود والمقاومة.
لذا فإن هؤلاء الشبان السبعة يمثلون كل أطياف الوطن ونسيجه ولحمته الوطنية الجامعة، ويمثلون صورة البلد المشرقة والمضيئة أمام ظلام الطغاة، وهم يمثلون القيم السامية وصادقون في جهادهم البطولي بأقدام وثبات رغم البطش والتنكيل. تضحية الشباب من أجل قضية نبيلة جامعة هي أروع صور الفداء والتضحية للبلاد.
كيف تم قتل الشبان السبعة؟
1 – الشاب نور: يخرج من الكهف وينزل إلى سوق المدينة برفقة الكلب الوفي لشراء الحاجات الأساسية من الطعام والماء، كأنه يطالب بحقوقه الأساسية في العيش الكريم، الخبز والحرية والسلام، وينزل إلى شوارع بغداد المدورة، بغداد الحديثة من الإسمنت والشوارع المبلطة وحركة السيارات والمارة، لكنه يواجه العسس في منعه من شراء رغباته، وتطارده في سياراتهم حتى دهسته وأردته قتيلا، وفي اليوم التالي تنشر الجريدة المحلية خبرا مفاده أن الشرطة عثرت على جثة مجهولة لشاب بدوي في أحد الشوارع، وتجري التحريات والتحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الموت ومعرفة البيانات الكاملة.
2 – الشاب جميل: يتذمر من حالة الناس في محاصرة الحياة وخنقها، ويحزن مع رفاقه على خسارة صديقهم نور بدهسه بسيارة العسس، رغم أنه شاب مسالم طالب علم ودراسة. لقد غادر جميل المكتبة المركزية إلى المدينة كأنه غادرها إلى المجهول ولن يعود. بقية الشبان يحذرون جميل من العسس أن يكون حذرا، لأن إجراءات الإرهاب صارت صارمة بالقتل والعنف، وجعلوا المدينة في حالة خوف ورعب. وتساءل مع نفسه هل هناك أزمة بين الناس والشرطة أم أن كلمة أزمة كبيرة على هذه العلاقة أم أنها ملائمة لتوصيف هذه العلاقة، ربما كانت هي كذلك.
أوقفه المارة ليخبروه عن مصير صاحبه، فقالوا إذا كنت تبحث عن صاحبك فقد دهسته سيارة ومات، وجثته في مركز البلدة. وفجأة سمع لغطا مدويا كأنه الرعد القاصف، وفجأة توقف كل شيء، إذ اخترقت رصاصة طائشة ملابسه وجلده واستقرت في قلبه، ليسقط قتيلا يسبح في دمائه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. هكذا بكل بساطة قتل الشاب جميل بسلاح الشرطة، المسدس، وليس بسلاح السيف أو الرمح أو النبال. وفي اليوم التالي نشرت الجريدة المحلية خبرا بأن الشرطة عثرت على جثة شاب متوفى يعتقد أنه شاب بدوي، والتحقيقات مستمرة لمعرفة البيانات الكاملة.
3 – الشاب حلو: يخرج من الكهف إلى مكتبة المدينة وهو في حالة حزن على فقدان أصحابه نور وجميل بالموت المجاني، رغم أنهما كرسا حياتهما للعلم والدراسة والفكر ولكل شيء جميل في البشر والطبيعة، في صفاتهم الصدق والنزاهة وقول الحقيقة والحق، لكن الحياة تطارد كل من يحمل في قلبه الجمال، وكل من يطالب بالحق والحقيقة، ويقول بحسرة أهكذا كتب علينا أن ننهي حياتنا ونحن نودع بعضنا بعضا، أهكذا تكون الحياة رخيصة بلا ثمن، كأن لا قيمة لها.
وجد نفسه محاصرا من قوات العسس، فتراجع إلى الوراء وحاول التخلص من محاصرتهم، لكنهم طاردوه حتى فتكوا به بقطع رأسه أمام عيون الناس، فسقط على الأرض يسبح في بركة من الدماء وسط احتجاج الناس لهذه الوحشية الدموية. وفي اليوم التالي كالعادة نشرت الجريدة المحلية خبرا مفاده أن الشرطة عثرت على جثة شاب يعتقد أنه بدوي مقطوع الرأس، وأن التحقيقات جارية على قدم وساق لمعرفة الأسباب والبيانات الكاملة.
هكذا تدور نوائب الموت تخطف الشبان السبعة بالموت المجاني، حتى لم يسلم كلبهم من الموت، كأنها عملية مسح آثار الجرائم التي ارتكبتها قوات العسس والتنصل منها بالتلفيق الكاذب والمتعمد. في هذا الصراع الدموي العنيف امتلأت ثلاجة الطب العدلي بجثث الشبان، وكانت جثث الشباب المتوفين مكدسة في ثلاجة الموتى كوديعة. ولكن رغم العنف الدموي فإن الشباب يواصلون التحدي والمقاومة لأنهم يؤمنون بقضيتهم العادلة، فهي قضية الناس والبلاد، وهتافهم المركزي بالروح بالدم نفديك يا عراق، وأن يكون العراق للعراقيين وليس لغيرهم، وأن الحرية المفقودة طريقها صعب، ولم يكن طريق الحرية سهلا يسيرا، ولكن الحياة تتجدد وتحيا من رمادها.









