الإفتتاحية

الرسولة أمي

فالح حسون الدراجي

  في غربتي الطويلة التقيت وتعرفت على أقوام، يمثلون عشرات الشعوب والجنسيات والأديان والمذاهب، والقوميات المختلفة..

وسأتجاوز إقاماتي المتقطعة في اليمن والاردن ولبنان، وزياراتي المتكررة لأكثر من عشرين بلداً، وأتحدث عن سكني الطويل في الولايات المتحدة الأمريكية فقط.. إذ يكفي أن أعيش خمسة عشر عاماً في أمريكا لكي أعرف، وأتعرف على طبيعة وعادات وتقاليد ومعيشة آلاف الأمهات الامريكيات، القادمات من أصول آسيوية، اوربية، هندية، مكسيكية، لاتينية، افريقية أو.. عربية، أو غيرهن من النساء اللاتي تغيرت حياتهن في بلاد العم سام، وتغيرت أشكالهن ولباسهن وعاداتهن، والبعض منهن نسين حتى لغتهن الأم، وأسماءهن الأصلية، بعد أن استبدلن أسماءً أخرى حسب متطلبات الحياة في الولايات المتحدة. لكن شيئاً واحداً لم تنسه الأم، سواء في امريكا، أو في مختلف بلدان العالم.. ألا وهو (دمعة الحنان)!!

  فالأم الصينية لا تختلف عن الأم الهولندية، والأم الأفريقية لا تختلف عن الأم السويدية.. والأم في نابولي لا تختلف عن الأم في ساحل العاج.. أو في طويريج، أو في أثينا.. فالدمعة نفس الدمعة.. ولغة الحنان ذاتها في كل قارات الأمومة.. فكلهن متشابهات، بل ومتطابقات في انبثاق الدمع الجاري من ينابيع الحنان، حتى سواقي الحب المقدس.. لا فرق بين أم وأخرى إلاَ بالإسم.. فكل الأمهات هُنَ أمهات.. وكل الينابيع تحكي قصة المجرى الأول لدموع النبوة والعطف الرباني..

  نعم.. فكل الأمهات متشابهات في الحب والسهر والآسى، والخوف على الوليد من المهد الى اللحد.. وكل الأمهات مقدسات، فلا قدسية لواحدة دون أخرى.. وفي حضرتهن تتعطل كل قواميس الأديان وعباداتها.. لأن دين الأم فوق الاديان.. ورسالة الأم تتقدم على كل الرسالات.. فَمن غير الأم خصّها الله العظيم بهذه الخصوصية فجعل الجنة تحت أقدامها؟.. أعطوني نبياً أو رسولاً أو قديساً أو ملكاً، أو عرشاً غير عرش الأم جعل اللهُ الجنة تحت قدميه!

نعم كل الأمهات مقدسات.. ونبيات وطاهرات، وإذا لم تكن الأم كذلك، فإن حليبها الذي تدرّه في فم وليدها كفيل بأن يطهر ما لم يتطهر منها!! صدقوني أن كل أمهات الكون مدللات عند الله.. لأن الله يجزي الثواب لمن يعطي بلا أجر.. وهل مثل الأم أحدٌ يعطي؟ كلهن نبيلات ورائعات وكريمات وصبورات وشجاعات وجميلات، وكل شيبة من شيبات الأم -أي أم في الدنيا- لها منزلة عظيمة عند الله، ولها قيمة على الأرض أثقل من الأرض ذاتها.. جرّب وارمِ بشيبة أم على الأرض، أو حاول -حاشاك- أن تهين هذه الشيبة لترى بعينك كيف ستهان ألف مرة، لأن شيبة الأم معصومة.. فهل لك الفظاعة الكافية لكي تتعرض لمقام معصوم؟

وهنا أود أن أقول بكل صراحة أن شيبة الأم بثقل الأرض في ميزان السماء.. لكن شيبة أمي عندي أثقل من وزن الأرض والسماء، وأثمن من الميزان نفسه.. لذلك ظلت شيبتها مثل النعمة التي يحلف بها المؤمنون.. كيف لا..! وأمي رسولة الصبر في دين الدموع.. 

   سلاماً لأمي العظيمة التي يتقابل رأسها مع شموخ قبة علي بن أبي طالب.. فيسلم أحدهما على الآخر كل صباح ومساء.. سلاماً للأمهات في عيد أمي.. 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان