فالح حسون الدراجي
عندما يصدر هذا العدد من الجريدة ويكون مقالي هذا بين يدي القارئ الكريم، تكون مباراة القمة بين نادي البرشا الكتلوني وريال مدريد الملكي قد حسمت نتيجتها، واتضحت صورة البطل للدوري الاسباني هذا العام، حتى لو أنتهت المباراة بالتعادل. لأن التعادل يضع الريال في الصدارة المريحة نوعاً ما.
لحد الآن وأنا لم أقل ما أريد قوله عن متعلقات (كلاسيكو الحسم)، ولم أعرض ما في صدري وعقلي من ظنون وأفكار وأسئلة ودهشة وإعجاب بهذه (الدوخة الكروية الفاتنة).
ولعل من أهم الاسئلة التي انبثقت في خيالي بعدما رأيت العالم (مخبوصاً) وشاهدت الكرة الارضية مشغولة بالكرة الاسبانية، وكل الشعوب مهووسة اليوم بهذه المباراة الحاسمة، فأي سحر هذا الذي يضعه لنا سحرة البرشا والريال؟
قد يعجز المرء حين يريد معرفة السبب الذي يجعل القارات السبع مشغولة ومهووسة بمباراة تقام في الدوري الاسباني، وليست في دوريات بلدانها، والجواب ان لاعبي برشلونة وريال مدريد هم قمم كروية فريدة، قد لا تتمكن الملاعب العالمية من أنتاج أمثالهم في المستقبل القريب، لأن لاعبين أفذاذا من طراز (ميسي) و(رونالدو) و(انيستا) و(بيل) و(تشافي) و(مودريش) و(نيمار) و(مارسيلو) و(بيدرو) و(بنزيما) وغيرهم لا يمكن قطعاً صناعة أمثالهم بسهولة، لأنهم نتاج ظروف خاصة قد لا تتكرر، وصناعة أزمان، وأماكن، ومناخات، وبيئات، ليس سهلاً إجتماعها أكثر من مرة، لتصنع لنا مثل هذه المعجزات الكروية. لذلك فهم يصنعون لنا بمهارة فائقة متعة كروية نبحث عنها فلن نجدها عند غيرها.
هذا من جانب ومن جانب ثان فأن العالم يمر اليوم بأزمات واشكالات وأرهاصات اقتصادية وآمنية وسياسية وصحية كثيرة، لذلك تحولت ملاعب الكرة الى مصحات ومشافٍ لمعالجة هذه الامراض الأممية، وكتحصيل حاصل فأن وسائل الاعلام العالمية ومؤسسات المجتمع المدنية، بل وحتى الحكومية دفعت بأتجاه تحويل المواطن من بيئته الخانقة الى فضاءات الملاعب المفتوحة، حيث هناك تفرغ الشحنات النفسية المتوترة، وتتنفس المشاعر الانسانية هواءً صافياً خالياً من سموم السياسة، وليس هناك أفضل من الملاعب علاجاً لهذه الامراض خصوصاً المباراة المهمة.. وهل هناك مباريات أهم من مباريات البرشا والريال في ملاعب الكرة؟
واليوم إذ يقف العالم على قدم واحدة حين تدق ساعة (سانتياغو برنابيو) ويطلق حكم المباراة السيد (البريتو انديانو) صافرته، ليعلن عن بدء مباراة الكلاسيكو ستتجمد الحركة في شوارع القارات السبع، فتزدحم المقاهي والنوادي والبارات بعشاق الفن الجميل ليشاهدوا هذه المباراة عبر شاشات التلفاز.. وعلى سبيل المثال أنقل لكم ما أراه منذ يومين في مدينة دبي، اذ هنا لا صوت يعلو على صوت الكلاسيكو، ولا حديث غير حديث (ميسي) و(رونالدو)، سواء كان بين المواطنين الاماراتيين او المقيمين والضيوف على حد سواء!..
ولا أكشف سراً لو قلت أني أشعر بالحيرة وأنا أتعرض لأسئلة نادل المقهى، وعامل المطعم، وسائق التاكسي، وموظف الاستقبال في الفندق، والمدلكة في صالة المساج، وكذلك البقال والصيدلي، وكل من ألتقيه، والتي تدور كلها حول محور ملخصه من سيكسب الكلاسيكو، لقد كنت أجيبهم على أسئلتهم، ولم أقل لهم أني لن أرى هذه المباراة الكبيرة لأن صافرة الحكم ستنطلق مع أنطلاق الطائرة التي تقلني الى لندن، وحين تهبط طائرتي في مطار (هيثرو) يكون العالم قد نام وتحت وسادته نتيجة مباراة الريال والبرشا.

