فالح حسون الدراجي
إذا افترضنا أن الحياة شارع طويل له بداية ونهاية.. فإن في هذا الشارع علامات مهمة حتماً، يتوقف عندها المرء، ويلتفت لها في مسيره، أو يتفقدها إن غابت، أو ربما يلقي عليها التحية، حتى إن لم ترد عليه تحيته، تماما كما كان يفعل (سواق) السيارات في الطرق الخارجية، حين يمرون في طريقهم على أضرحة الأولياء. ويقيناً أن (العلامات) البارزة والمهة لدى هذا الشخص تختلف عن العلامات المهمة لدى غيره من الناس.. فلكل امرئ فينا دلالاته، وخصوصياته المميزة عن غيره.. فعلى سبيل المثال، كان رحيل المبدع الكبير، والبصري المغترب محمد سعيد الصگار مؤلماً وموجعاً لي، ليس لأني أعرف قيمته الإبداعية الكبيرة فحسب، إنما لأننا أيضا أصدقاء رغم فارق العمر بيننا، فقد تشكلت علاقتنا بعد أن أجريت معه قبل أكثر من عشر سنوات في باريس حواراً طويلاً لإذاعة العراق الحر، امتد لثلاث حلقات متتالية، بثت عبر برنامج (مو بعيدين) الذي كنت أعده وأقدمه عبر تلك الإذاعة.
إذن..! فالصگار الذي أعرف شخصيته الإبداعية والوطنية معرفة تامة، والذي حزنت لرحيله كثيراً قد لايعرفه الملايين للأسف. وطبعاً فإن أسباب عدم المعرفة بالرجل كثيرة، لاسيما من قبل أبناء الأجيال الجديدة..
وبعودة الى العلامات والأسماء المهمة في حياة الإنسان، فإن هناك أسماء محلية وأجنبية مختلفة يشترك بمعرفتها، بل وبحبها الملايين. فاللاعب المعجزة (ميسي) مثلاً هو ليس لاعبي المفضل فقط، إنما هو معشوق نصف سكان الكرة الأرضية، إن لم أقل أكثر، بدليل أن تسعين بالمائة من ركاب الطائرة المتوجهة بنا الى لندن ليلة المباراة، رفعوا نخب الاعتزاز عندما طلبت المضيفة (الكاتلونية) رفع كؤوسهم بصحة ميسي بعد أحرازه الهدف الرابع، وقد لاحظت أن عدداً قليلاً في الطائرة لم يرفع الكأس – ليس بالضرورة أن يكون الكأس خمراً، فقد رفع الكثير منا كأساً من الماء – بالمناسبة كان في تلك الطائرة مضيفتان واحدة ريالية وأخرى كاتلونية، وكل مضيفة تنقل للركاب بشرى تسجيل هدف لفريقها..!!
في حياتي كذلك الكبيرة فيروز، فعندما يأتي صوتها قادماً من قارات الصفاء في صباحات الجمال، لا تتعطر مسامات روحي أو يبتهج بيتي فحسب، إنما يتعطر الكون كله، ويبتهج ويخرج الى بحر العذوبة، حيث يأتي من أعماقه (شادي)، الذي كبر في عين الدنيا، ولم يكبر في عين فيروز بعد!!
وعدا فيروز، هناك صوت خرافي، معطر بالدهشة والأسى. إنه داخل حسن – معجزة الغناء – وصوت الوجع الجنوبي المختنق بالدمع، والمبحوح من فرط البكاء الصامت، والذي لا يصل لمنزلة صوته عندي أحدٌ قط.. فعندما أصرخ معه، وهو يصرخ (يمه يايمه…) أشعر كأن أمي تجيبني من مقبرة السلام في النجف قائلة بوجعها وأساها المعروف: ها يمه فالح!!
ولشاعرية، ووطنية، وفرادة الجواهري الكبير منزلة عظيمة عندنا جميعاً، ولست وحدي أفخر بها. لكن تبقى للشيخ الراحل ياسين الرميثي، وسمفونية (يحسين بضمايرنا) خصوصية لا أعرف أسبابها، أهي بسبب عشقي لأبي عبد الله الحسين ورسالته التي باتت درساً عظيماً في كتاب الحرية، أم هي بسبب عشقي لمن رفع صوته عالياً بوجه سلطة البعث متحدياً قائلاً لهم اصمتوا: فحسين بضمايرنا!
وطبعاً فليس بهذه الأسماء فقط تتحدد علامات شارع حياتي المهمة.. ولا بها تتوقف تلك المشاعل التي ملأت حياتي نوراً.. وجمالاً.. ودروسا.. إنما هناك الكثير الذي سأمر عليه بصحبتكم، فأنا واثق من أننا نشترك معاً بمحبة أغلبها..

