فالح حسون الدراجي
في قلب الجنوب النابض بالحب والطيبة والشجاعة والكرم، هناك حيث تضيء محافظة ميسان بوهج كنوز القناعة التي لا تفنى، وقبل أكثر من سبعين عاماً بقليل، ولدت (عوچية) أم سعد..
ويقيناً أن ثمة الكثير من الأحبة القراء، سيسألني عن (عوچية) التي نالت اهتمامي، بحيث أصبحت مادة لمقالي الافتتاحي، رغم المصائب التي تحيط بالعراق الآن. فمن مصيبة نهر الفرات الذي يُخنق اليوم بيد الداعشيين على مرأى ومسمع، (ومصمت) السياسيين العراقيين المشغولين بولائم، وعطايا وهدايا دعاياتهم الانتخابية!! الى أولادنا البواسل الذين يتصدون في الأنبار بشجاعة نادرة لقوافل التخلف المحملة من السعودية وقطر بجراد الموت الأسود، فيقاتلون ببطولة فريدة، وسط مواقف العار التي يقفها أعداء العراق في الداخل والخارج، ليعود للأسف شبابنا الى أهاليهم بتوابيت الشهادة. ثم تتواصل المصائب والعجائب الى الحد الذي تكتشف فيه أجهزة وزارة الداخلية الشجاعة، أن مرشحاً قطرياً في قوائم الانتخابات العراقية!!
وفي ظل هذه المصائب التي لاتعد ولا تحصى، فإني لا أستغرب قط أن يأتي السؤال عن الخالة (عوچية)، وكيفية وصول هذه المرأة البسيطة الى وجداني، فتنتزع القلم مني لأكتب لها مقالة، عسى أن تكون مقالتي بحجمها وشموخها الكبيرين..
وأم سعد لمن لا يعرفها.. نهرٌ من المزايا العطرة والصفات النبيلة، وينبوع متدفق من القيم التي تفيض حناناً، ومودة، وعذوبة..
فهي جبل من الصبر، والتحمل، والعناد، والكفاح، والعمل، والمواجهة، والتحدي.. وهي أيضاً قلب دافئ ينبض بالحب لكل الناس، وعينٌ دامعة تبكي على عصفور مكسور الجناح.. ولا أبالغ لو قلت أن أم سعد جبلٌ يمشي على قدمين.. وساقية تروي الضفتين، فتخضر الأشجار على جانبيها، وتكبر الأغصان على ذراعيها.. ومن لا يصدق بما أقوله، أدعوه الى أن يمضي الى بيت أم سعد في قطاع 40 بمدينة الثورة -مدينة الصدر- ليرى هذه العائلة عن كثب، ويستدل بنفسه على روعة أبنائها سعد وشاكر وفاطمة وعلاوي وأم علاوي، وغيرهم، ليعرف كم هو عطاء هذه المرأة العظيمة التي أنتجت كل هذا البستان المثمر..
وللحق فإننا لا ننسى لأبي سعد رحمه الله فضائل تربيته، وخواص سيرته الحميدة التي انعكست على بناء هذه الأسرة الكريمة.. لكن الحق يجبرنا أيضاً أن نتذكر أم سعد، التي كانت كالطود الشامخ بين نساء المدينة في زمن الخوف والرعب والصمت البوليسي، الذي فرضته سياسة السلطة الصدامية، فكانت تنهض قبل نهوض الفجر، لتذهب الى (العلوة) بمفردها، وتجلب ما تستطيع جلبه من الخضار والفواكه برأس مالها المتواضع، فتستفتح بسورة الفاتحة رزق بسطيتها الصغيرة في سوق مريدي، منادية بأعلى صوتها (بقصد): حمرة الطماطة حمرة !!
كانت أم سعد (الأمية) التي لم تدخل صفوف الدرس يوماً، مثقفة بالمعيار الشعبي للثقافة. وعارفة بالتفسير المعرفي لأبناء جيلها، رغم أنها لم تقرأ كتاباً واحداً في حياتها.. وهي أيضاً تعرف في شؤون السياسة، وتفهم في معاني الوطنية، لذلك كان موقفها حاسماً، حين جاءها ولدها سعد قائلاً لها بتردد: يمه، ما أريد أخدم في جيش صدام يوماً واحداً ..!!
فابتسمت، وقالت له: لك ما تريد يا ولدي!!
لم تخف، ولم تتردد، ولم تجبر ولدها على الذهاب الى المطحنة!!
ولم يذهب سعد الى الخدمة في جيش صدام حتى يومنا هذا.
وللحق فإن رفض سعد وأمه فكرة الذهاب الى الحرب لم تأت من باب الخوف، إنما كان موقفاً معارضاً للنظام، وسياسة النظام بوعي، أو دون وعي، لاسيما وأن الجميع يعرف شجاعة سعد التي لا تحتاج الى برهان..
ولعل المثير هنا، أن لأم سعد -رغم تدينها- نظرة متقدمة في الفن والحياة، والثقافة، لذلك شبَّ ولدها على مفردات هذه (الثقافة) فتخرج من بيتها مثقفاً واعياً منحازاً للفن والوطن والناس. وليس غريباً أن يصبح سعد فناناً راقياً، بعد أن امتلك صوتاً رخيماً، وحساً عالياً، وسلاحاً موسيقياً معرفياً، وموقفاً وطنياً.. إلاَّ أن قرار مغادرته الساحة الفنية، وهو في أول مراحل صعوده، كان قراراً مفاجئاً للجميع، باستثناء أصدقائه الذين كانوا يعرفون أن صديقهم اعتزل الفن بسبب شعوره أن الأمور الفنية في العراق تتجه نحو تمجيد الطاغية، فترك الفن رغم ما حققه من نجاح طيب، لاسيما بعد نجاح أغنيته (لا على بختك.. لا تخليني)، التي قدمها قبل ثلاثين عاماً في برنامج أصوات شابة مع كاظم الساهر، محمود أنور، حسن بريسم وغيرهم.. ورغم تخرجه من معهد الدراسات الموسيقية الذي يعدّ واحداً من أفضل المعاهد الموسيقية في الشرق الأوسط..
وقبل أن أختم مقالتي عن الخالة أم سعد، وددت أن أشير الى أنها حين تقبلني أشعر وكأن أمي تقبلني، فأستعيد بذلك طعم تلك القبلة التي فقدتها منذ ثلاثة وعشرين عاماً. وهو الشيء الذي يجعلني أحب أم سعد كثيراً كثيراً..
والأن، ألم تذهب دهشتكم، وأنتم ترون أمامكم (عوچية) بكامل شجاعتها، ووطنيتها، وصبرها، وكفاحها الطويل؟

