الإفتتاحية

الفرات.. من عمر بن سعد الى داعش!!

فالح حسون الدراجي

  كلما زعل طاغية، أو سفاح على العراقيين، قام بقطع مياه الفرات عنهم! ولا أعرف السرَّ في ذلك، كما لا أعرف أيضاً لماذا يقطعون الفرات وليس غيره من الأنهار الأخرى في العراق؟

أظن أن الطغاة يكرهون الفرات، وإلاَّ لما اختاروه عدواً لهم دون غيره. وأحياناً تأتي الصدفة بهم الى ضفاف هذا النهر المسكين، فيدفع النهر من دمه ثمن هذا (الزعل) الباهظ.. مثلما يدفع العراقيون، أو بعض رموزهم، أو جنات عدنهم المثمرة بالخير ثمن هذه الصدفة اللعينة، فتصبح هذه الجنات المزهرة بعد القطع يابسة كالخشب ..

  تعالوا معي الى سجل التاريخ، لنقرأ كيف كان يتعامل الطغاة، والمجرمون، والسفاحون مع ماء الفرات على مختلف مراحل الزمن.. فمثلاً عندما أراد المجرم عمر بن سعد قائد جيش يزيد بن معاوية، إيقاف مدِّ نور الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي كان ذاهباً الى الكوفة لإشاعة فكر، ورؤى الرسالة الإسلامية المضيئة بالحب والعدل والمساواة، وهو يحمل -أي بن سعد- في جيبه ورقة من أميره عبيد الله بن زياد والي الدولة الأموية في العراق، وقد منحه فيها كل الحق في ممارسة أي فعل يراه مساعداً على قتل أبي عبد الله الحسين وأصحابه وآل بيته الكرماء، ومنعهم من الوصول الى العراق. فكان القرار الأول للمجرم عمر بن سعد، هو منع الحسين وأصحابه من الوصول الى ماء الفرات. لذلك يقول المؤرخ الجليل أبو مخنف الأزدي رحمه الله، أن بن سعد وضع ثلث جيشه حول الشريعة، لكي يمنع الحسين، وأصحابه من الوصول الى النهر، وشرب الماء منه!!

 وإذا كان عمر بن سعد، وعبيد الله بن زياد قد نجحا في منع الحسين من شرب الماء، ونجحا أيضاً في قتله مع بعض أفراد أسرته وأصحابه، فإن التاريخ قد كتب بأحرف من نور ملحمة صبر الحسين، واسطورة تضحية شقيقه أبي الفضل العباس، الذي رفض وقتها أن يشرب الماء متذكراً عطش الطفلة سكينة بنت أخيه الحسين، رامياً الماء من كفيه الشريفتين في الهواء، فغادر الشريعة عطشاناً. ومقابل هذا الاستذكار التاريخي العظيم لأبي عبد الله الحسين، فإن التاريخ سيذكر بسطور العار والخزي مواقف المجرمين من قتلة أبناء بنت النبي في كربلاء، بعد أن جاء الوعد الحق سريعاً على يد المختار، فصدق من قال: أن الله يمهل ولا يهمل.

  وبعد قرون عدة على هلاك المجرمين بن سعد وبن زياد، يختلف الحزبان البعثيان الحاكمان في سوريا والعراق على زعامة (الأمة العربية المجيدة)، فيقوم رئيس البعث السوري حافظ الأسد بقطع الماء عن العراقيين أيضاً، حتى أصبح عام 1974 من أسوأ الأعوام في تاريخ الزراعة والري العراقي، لكن الرئيسين البعثيين في سوريا والعراق هلكا أيضاً، وبقي الفرات جميلا.

 وبعد ذلك بسنوات يطمع الرئيس التركي تورغوت اوزال، ورئيس وزرائه سليمان ديميرل بالنفط العراقي، فيقطعان ماء الفرات عن العراق، بعد أن أطلق ديميرل نظريته الشهيرة: (لنا الماء ولهم النفط، وكل برميل ماء ببرميل نفط) فعطش الناس وقتها في العراق وجفت العيون ومات الزرع، لكن الفرات لم يمت، والعراقيون لم يموتوا، وظل النفط العراقي عراقياً رغم أنف الأجلاف. وفي المقابل رحل ديمريل واوزال -واحد الى القبر والآخر الى المصحة-  بينما الطريق سالكة لأردوغان الطائفي المتعجرف في اللحاق بهما..!! واليوم إذ يأتي الداعشيون الصغار لنهج نفس منهج الكراهية والحقد، والسير على نفس الطريق الذي كان قد سبقهم اليه المجرمون الآخرون، أمثال ديمريل وبن سعد وبن الأسد وغيرهم من الطغاة الطائفيين والبعثيين، فإنهم لايعلمون قط أن الفرات ليس نهراً من الماء فحسب، إنما هو أيضاً نهر مقدسٌ لدى الكثير من الأديان، وفي الكثير من الأساطير، والثقافات الأولى، حتى أن البابليين كانوا يعتقدون أنه الإله الذي يعاقبهم بالطوفان حين يغضب، لذلك كانت الرعية تنذر اليه وتتضرع له كي لايغضب عليهم. كما أن للفرات أهمية استثنائية في الإسلام أيضاً، حتى أن النبي محمد (ص) يذكره كأحد أنهار الجنة..!!

 بعد كل هذا هسه يجي چم داعشي مخربط، وچم بعثي سِگط، يريدون يسدون الفرات ويگطعون مايه.. تهي بهي

  .. من رحمة على روحك أبو گاطع!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان