فالح حسون الدراجي
حين انتخب الشعب الايراني الواعي، السيد حسن روحاني رئيساً للجمهورية، كان يقيناً يعرف من هو روحاني، ويعرف حتماً توجهاته السياسية، وأفكاره الاصلاحية، وبرنامجه الحكومي المعروض على طاولة الانتخابات.. ولأن الشعب الايراني شعبٌ حيّ مثل أي شعب حي آخر، له تأريخه الوطني والجهادي، والثوري التحرري.. ولأنه يقدر ويعرف جيداً مصلحته، ومصلحة الشعوب المجاورة، التي تقوم مثله على قاعدة حسن الجوار، ومبدأ التعايش الديني والحضاري، والانساني، فإن الاصوات التي منحها هذا الشعب للمرشح حسن روحاني كانت أصواتا محسوبة بدقة، وموضوعة في المكان الذي يريده، ويسعى اليه هذا الشعب العريق.. وبفوز (روحاني) تأكد بشكل واضح توجه الشعب الايراني، كما تأكد التأييد بمباركة السيد علي الخامنئي لهذا الانتخاب -والخامنئي يعني المؤسسة الدينية والفقهية والثورية وجميع مرتكزات المرجعية- وأتضح توجه القيادة الدينية والعقائدية والسياسية في إيران نحو طريق الاصلاح دون أدنى شك..
وبالمحصلة النهائية فان اللمسات الحريرية، والمشاعر الدافئة التي أبداها (روحاني) تجاه دول الخليج العربي لم تكن لمسات (روحانية) خاصة، ولا هي مشاعر (ظريفية) فقط -نسبة الى السيد ظريف وزير الخارجية الايرانية- إنما هي مشاعر الشعب الايراني بجميع طوائفه، ومشاعر القيادة الإيرانية بكل تفرعاتها.. ولو لم يكن الأمر كذلك لما تجرأ روحاني، أو ظريفي قط، بتحركاتهما الدبلوماسية نحو بلدان الخليج العربي، ولا سعياً لترطيب الاجواء مع هذه الدول، بدءاً من التصريحات الإيجابية لوزير الخارجية الإيراني، وانتهاءً بالجولة الخليجية التي قام بها هذا الوزير الى عدد من العواصم الخليجية.. لذلك فإن تخوف دول الخليج من احتمال تغير الأمور بغياب حسن روحاني عن المشهد الرئاسي في ايران، أو إسكات صوته الداعي الى إعادة قطار العلاقات الايرانية الخليجية الى السكة الصحيحة امرٌ غير صحيح بالمرة.. لأن قرار التقارب مع دول الخليج لم يكن قراراً خاصاً بروحاني أو ظريف، انما هو قرار خاص بالشعب الايراني برمته.. أما الحكم على هذه الجزئية من خلال العزف على نغمة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الذي كان قد قام سابقاً بنفس هذه الخطوات التقريبية مع دول الخليج، قبل أن يترك كرسي الرئاسة للرئيس السابق أحمد نجادي، الذي قطع الخطوط التي أصلحها محمد خاتمي مع الرياض وشقيقاتها!!
أقول أن العزف على هذا الوتر أمر لا يمكن القبول به اليوم تماماً.. فالزمن يتغير، والظروف الاقليمية والدولية تتغير، ومن ثم فإن شبكة مصالح هذه البلدان قد تغيرت ايضاً.. ناهيك عن أن لحسن روحاني ظروفاً مختلفة، وصلاحيات، ومواقع هي لم تكن متوفرة لخاتمي من قبل.. وعليه فإن فتح السعودية والبحرين والامارات وقطر والكويت (التي سيقوم أميرها بزيارة إيران) نافذة واحدة لاستقبال النسمات الإيرانية أمر ضروري ومطلوب أيضاً.. ريثما تتأكد هذه الدول من مصداقية توجهات روحاني.. وتتأكد من أن مطارق (نجادي) لن تعود مرة اخرى الى أواني الخليج، لاسيما وأن اكثر من سندان كان موجوداً آنذاك قد مضى..!!
لقد انتخب الشعب الايراني حسن روحاني من أجل الاصلاح والتغيير والتقرب الى الخطوط الساخنة، من أجل ترطيبها وليس من أجل الطرق عليها.. وما على السعودية (المتشددة) رقم واحد في دول الخليج إلا ان تستثمر هذه الفرصة التاريخية فلا تضيعها من يدها.. وعليها أيضاً أن تجد لها شخصاً في نخبها السياسية المتقدمة مثل روحاني، ليكون في كرسي القرار السعودي مع الكرسي الايراني الرئاسي والاصلاحي.. عسى أن يتخلص العالم بشكل عام، والمنطقة بشكل خاص من شرور التناحر والاختلاف الذي دمر المنطقة، فتستريح الشعوب المحبة للسلام من هذه الفتنة التي يصنعها ويشرعها شيوخ الوهابية في السعودية، ويترجمها مجرمو العصر الى سيارات مفخخة وأحزمة ناسفة في العراق وسوريا ولبنان وغيرها..

