فالح حسون الدراجي
قبل أربعة وثلاثين عاماً.. وفي مثل هذا اليوم اختطف جلاوزة الأمن العامة في حكومة صدام الفاشية شقيقي المناضل الوطني الشجاع خيون حسون الدراجي (أبو سلام) مع أربعة من رفاقه من مطعم أكد في الباب الشرقي وهو يتناول وجبة الغداء.. ولم تفصح عن هذا الاعتقال، او تعترف به إلا بعد عشر سنوات على إعدامه.. عندما أرسلوا لنا (شهادة الوفاة) موقعة من الطبيب في مستشفى الرشيد العسكري، ومختومة من دائرة أمن بغداد وقد ذكر فيها سبب الوفاة بالإعدام شنقاً حتى الموت.. ثم أرسل لنا بعد ذلك مقتبس الحكم الذي ذكر فيها أعدم بسبب (انتمائه للحزب الشيوعي العميل)!!
ولعل الأمر الذي أود عرضه هنا أن أبا سلام الذي اعتقل في الاول من حزيران عام 1980، فتأخر حضوره الى البيت في ذات اليوم.. ثم استمر غيابه يومين.. إذ كثيراً ما كان يتغيب عن البيت يومين وثلاثة متنقلاً بين محافظات البصرة والكوت والعمارة، والطريف أننا كنا نعتقد وقتها أن عمله كصاحب معمل للأصباغ والماستك والفلينكوت، يتطلب تنقله بين بغداد والمحافظات، فيضطر للمبيت أحيانا في هذه المدينة أو تلك لأكثر من يوم.. لكن الحقيقة التي ظهرت بعد ذلك من خلال رفاقه، أنه كان يتنقل بين هذه المدن فعلاً من أجل عمله كما هو معروف.. إلا أنه أيضاً كان ينجز أعمال الحزب التي يكلف بها في هذه المدن بحجة تسويق البضاعة، أو استلام المبالغ الخاصة بها.. وغير ذلك من المبررات التي كانت تدفع به الى السفر.. لذلك كان غيابه عنا يوم الاول من حزيران عام 1980 يكاد يكون طبيعياً.. لكن الشخص الوحيد الذي لم يكن الأمر لديه طبيعياً هو (أمي) رحمها الله.. فقد كانت الوالدة (تلوب) كما يقولون.. فهي تأتي الى غرفتي بين الحين والآخر بحجج غير مقنعة.. ثم تختتم ذلك بسؤالها: يمّه ما شفت أخوك وين صار؟ وكنت في كل مرة أجيبها بذات الجواب: يمه شجاچ قابل هاي أول مرة خيون يغيب؟
فكانت تقول: لا هاي المّرة شو گلبي يلعب.. أبد ما مرتاحة وصدق حدس (گلبها) فقد كان شقيقي أبو سلام رهن الاعتقال.. ولم يكن غيابه يوما أو يومين أو اسبوعا مثل كل مرة، بل كان غيابه أبدياً.. إذ لم يعد للبيت حتى هذه الساعة.. ولكن كيف عرفنا أمر اعتقاله؟
بعد خمسة أيام كنت جالساً في مطعم سرجون مع أصحابي منشرحاً، دون ان أدري ان القدر يخفي لنا خبراً مشؤوما.. وفجأة تقدم نحوي أحد رواد هذا المطعم المعروف للجميع بأنه مطعم خاص باليساريين عموماً، والشيوعيين على وجه الخصوص.. فسألني أن كنت قد علمت بموضوع شقيقي خيون.. فأخبرته بعدم معرفتي بأي شيء..
فقال: لقد أعتقل أخوك خيون قبل خمسة أيام في الساعة الواحدة ظهراً في مطعم أكد مع عدد من الاشخاص الذين كانوا معه.. وقد رأيته موثوق اليدين ومعصوب العينين مع ثلة من رجال الأمن المسلحين وهم ينزلون سلالم المطعم، وما إن سمعتُ الخبر من هذا الشخص.. حتى هرعتُ الى مطعم أكد الذي لم يكن بعيداً عنا، وما إن رآني صاحب المطعم حتى هرع اليّ مستقبلاً، ليهمس بأذني قائلاً: أنت مو أخو أبو سلام؟ قلت له: نعم!!
قال: أتذكر انك جئت معه هنا اكثر من مرة؟
فقلت له: نعم.. نعم
وهنا مسك يدي وأدخلني الى الإدارة.. ثم اغلق الباب بعد أن تلفت يمنة ويسرة.. وقال، بلهجة آثورية واضحة: هذا اخوك أبو سلام بطل!!
قلت له: احكي لي لا أعرف عن الموضوع أي شيء.. ماذا جرى..؟ وكيف عرفت أنه بطل؟!
لقد كنت في الحقيقة اخشى أن يكون أبو سلام قد أطلق النار على رجال الأمن، لاسيما وأنه مسّلح دائماً.. إذ قلما يخرج من البيت دون سلاح وتحديدا بعد حملة الاعتقالات التي أطلقها نظام صدام ضد الشيوعيين، وكان هو احد المطلوبين فيها.. وقد ازداد قلقي عندما ذكر صاحب المطعم بأن (أبو سلام) بطل.. لكن الرجل داهم افكاري قبل أن اعلنها وقال: يبدو أن رجال الأمن كانوا يراقبون أخاك مع رفاقه، وكانوا يعرفون أنهم سيكونون هنا، لذلك صعدوا الى المطعم راكضين يشهرون اسلحتهم بوجوه الجالسين.. وكان التركيز على أخيك إذ قفز ثلاثة أشخاص نحوه دون غيره، وكتفوه قبل ان يمدّ يده الى سلاحه فكانت النتيجة إعتقاله أولاً.. وقد ظهر الفرح واضحاً على وجوه رجال الأمن بعد إعتقال أخيك حتى أن مسؤولهم قال بفرح وهو يتصل بالجهاز: لزمنا سيدي!! مبروك.. ومنذ ذلك اليوم الذي خرج فيه شقيقي أبو سلام من البيت لم يعد.. رغم عودة الكثير من الناس الى بيوتهم.. وعودة الطيور الى أعشاشها..
فسلام على أبي سلام..
ذلك البطل الذي أرعب البعثيين وجعلهم يحتفلون ساعة إعتقاله!.

