فالح حسون الدراجي
اضطررت لظرف عائلي الى حزم حقائبي والسفر بسرعة الى الولايات المتحدة الأمريكية، مصطحباً معي زوجتي، على الرغم من تعرضها لوعكة صحية قاسية. ولأني كنت محرجاً، فقد وافقت على السفر بأدنى الشروط، والمواصفات المطلوبة، حتى إني قبلت مكرهاً بالسفر من بغداد الى دبي، ثم الى الدوحة، والانتظار في مطارها تسع ساعات، وأنا الذي يتحاشى السفر، أو المرور عبر دوحة (موزة) لأي سبب كان !!
وبعد هذا الانتظار الثقيل والطويل في مطار الدوحة، ستأخذنا الطائرة برحلة طويلة الى مدينة نيويورك تستغرق أكثر من أربع عشرة ساعة، ثم الانتظار في نيويورك لخمس ساعات أخرى، والسفر بعدها الى كاليفورنيا برحلة تستغرق ست ساعات. إن هذه الرحلة الماراثونية المتعبة هي ثمن إصراري على عدم مغادرة بغداد قبل أن تستقر الأوضاع الأمنية في العراق، وقبل الاطمئنان على سلامة بلدي الحبيب بعد ما حصل في الموصل.. إذ كيف سأرتاح، وبلادي تواجه خطر الغزو الداعشي الطائفي الهمجي الذي تدعمه السعودية وقطر وتركيا؟
وصلنا قطر في الساعة العاشرة ليلاً، حيث المفروض – ونحن المسافران على متن الخطوط القطرية – أن نقضي ساعات الانتظار التسع في فندق يخصص لمثل هذه الحالات لكن المسؤولين هناك رفضوا ذلك، فاضطررت الى الذهاب بزوجتي التي كانت تئن من وجع حاد في كليتيها الى دار استراحة صغيرة داخل المطار.. فدفعت ثمانين دولاراً كأجرة استراحة.. وبالمناسبة فإن هذه الدار تفتقد لأية غرفة نوم أو صالة أستراحة، ولا أسرَّة، أو وسائد، أو أغطية… أو أي شيء آخر غير مناضد طويلة، صفت عليها بعض المشروبات الغازية والعصائر والشاي والحلوى. ولأن زوجتي كانت مريضة ومتعبة، وبأمس الحاجة للراحة.. فقد كان عليها أن تأخذ قسطاً من النوم قبل السفر الطويل. وبعد جهد جهيد تمكنت من إقناع المسؤولين عن هذه الدار بتوفير (قنفة) من قنفات غرفة المدخنين مع توفير غطاء بسيط لها هو أشبه ببطانية صغيرة.. فجلست بجوارها على أحد الكراسي حتى الساعة السابعة صباحاً، حيث حلَّ موعد إقلاع الطائرة. لقد كان الركاب الذي يأتون هنا للاستراحة وهم بانتظار موعد رحلاتهم، منشغلين بالقراءة، أو بالأكل والشرب المتوفر في الدار..أو بمشاهدة التلفزيون ..
وبينما كنت أتصفح جريدة الراية القطرية التي وزعت على الجالسين فجراً، وأنا منذهل جداً للوقاحة التي تتسابق مفرداتها على صفحات هذه الجريدة، خصوصاً في (مقالة) رئيس تحريرها المدعو (عفصان العفصان) – وأقسم لكم أن هذا هو الاسم الحقيقي للرجل، وليس تبلياً عليه – !!
ربما يسألني أحد الأخوة عن موضوع هذه المقالة، فأختصرها له بسطر واحد أقول فيه: أني لم أقرأ طوال حياتي مقالة سافلة مثل مقالة العفصان !! فهو يعظم (ثورة) داعش، ويبارك للداعشيين ماحققوه من إنجاز (ثوري) في الموصل وصلاح الدين، ويشتم العراقيين جميعاً.. وووووو !!
في هذا الجو النفسي الذي أنا فيه، والمتجمِّع في داخلي من آثار تعب، وقهر وسهر، وغضب، مما كتبه العفصان، ومن أكاذيب قنوات العربية الحدث، وبعض القنوات العراقية المعروفة بعهرها أو من تصريحات الجبان الهارب أثيل النجيفي، أو من غباء القائد الفلتة أياد علاوي، أو من غير ذلك، بحيث لم أكن محتاجاً وقتها لأكثر من عود ثقاب لأحترق به، وأحرق بمشاعري الملتهبة كل ما في هذا المطار، بل وقطر كلها !!
في هذا الجو المشتعل في داخلي، جلس الى جانبي (خنزير) من خنازير قطر. كان عبارة عن كتلة هائلة من اللحم، ودشداشة قصيرة، ولحية طويلة قذرة، لم تنجح صبغة الحناء في إخفاء قذارتها. وبلا مقدمات راح ينظر الى الصحيفة التي بين يديَّ، ثم قال بفضول عربي : هل الأخ من العراق؟
قلت له نعم .. دون أن التفت اليه، أو أقول له كيف عرفني من العراق!!
لكنه لم يأبه لذلك، فقال لي: شو أخبار الأخوة الثوار، والمجاهدين الأبطال .. لقد سمعت أخباراً سارة تقول أن أهلنا في الموصل استقبلوا الثوار استقبالاً عظيماً يليق بتضحياتهم ؟
قلت له : نعم نعم .. إنهم بخير.. !!
قال : كيف.. أبشرني يارجل؟
قلت له : لقد ردَّ (الثوار) (الجميل) لأهالي الموصل الذين خرجوا يصفقون لهم. إذ أزالوا – والحمد لله – لحد الآن بكارة أكثر من عشرين فتاة موصلية عذراء، كان من بينهن خمس فتيات قاصرات، على الرغم من انتحار عدد من نساء الموصل من اللواتي رفضن نعمة جهاد النكاح والنوم معهم. وعلى الرغم من جلد عشرات الشباب الموصلي، وهدم الكنائس، والقبور، وسرقة الآثار العراقية التاريخية النفيسة القائمة في الموصل، وسرقة المصارف، والسيارات والماكنات والبيوت والمحلات..اليست هذه نعمة، وفضيلة منهم؟ نظر الي الخنزير بحنق، ثم نهض بعصبية، وهو يقول : يبدو أنك رافضي؟
قلت له : أنا والله لم أكن رافضياً في يوم من الأيام كما أرفضكم اليوم، وأرفض دينكم، وسقيفتكم الظالمة.. وعالمكم السافل.. وشيوخكم الكلاب!!
قال: صه أيها الزنديق، والله لأجلب لك الآن الشرطة كي تعتقلك، وتؤدبك..
ضحكت، ثم نهضت واقفاً، لأخرج له (جوازي الثاني)، وأصرخ به قائلاً :- اغرب عن وجهي أيها الخنزير القذر، وإلاَّ أعدتك الى ( …. أمك) !!
لم يفعل الخنزير الوهابي شيئاً، وهو يحدق بجوازي، غير أن يدير ظهره، ويولى هارباً.. فما كان مني إلاَّ أن أصيح خلفه ساخراً: سأنتظرك هنا.. فإن كنت رجلاً فعلاً، ناد على الشرطة!!

