فالح حسون الدراجي
بين آونة وأخرى تعاد في أروقة بعض المؤسسات الاستشارية، وعلى لسان كبار الكتاب والمحللين السياسيين في الغرب معزوفة تقسيم العراق، وتغيير خارطته الجغرافية، وإعادتها الى ما قبل معاهدة سايكس بيكو.. ولعل الأكثر أهمية، وخطورة في هذه الطروحات، هو ما تعرضه الآن بعض المراكز والدوائر-التي تموِّل إسرائيل أكثر من نصفها- من مشروع أسموه مشروع داعش الإسلامي، كما تطرح أيضاً خارطة جديدة تدعى (خارطة داعش) التي يروج لها كخارطة جديدة تحل محل خارطة سايكس بيكو..!!
وكما ذكرت فإن موضوع (نهاية خارطة سايكس بيكو) ليس جديداً، ولا هو وليد أحداث ما بعد الموصل أو غيرها، إنما هو موضوع قديم يتكرر دائماً، إذ لفتت الأنظار من قبل تصريحات المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية مايكل هايدن، أثناء المؤتمر السنوي السابع حول الارهاب، الذي نظمه معهد جيمس تاون في الثاني عشر من كانون الأول عام 2013 حين توقع نهاية سايكس بيكو، وتفتت دول أنشئت أو وجدت كما يقول بشكل اصطناعي بعد الحرب العالمية الأولى، وولادة منطقة كاملة جديدة!!
ولم تتوقف تصورات الغرب لما ستؤول اليه الأمور في المنطقة وما تعكسه الأحداث فيها، نتيجة للتداعيات الأمنية والسياسية والأقتصادية من افرازات جديدة وتغيرات جغرافية وسياسية هائلة في العراق والشام والأردن ولبنان، والسعودية ودول الخليج أيضاً، إنما هناك تصورات أكثر سريالية وغرابة، فقد ذكر الكاتب البريطاني روبرت فيسك أن تقسيم الشرق الأوسط القديم وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو قد أنتهى تماماً.. متوقعاً أن يتم تقسيم المنطقة من قبل مقاتلي داعش، الذين لا يعرفون حدود الدول التي وضعتها تلك الاتفاقية.. وأشار فيسك في مقالة نشرتها صحيفة الأندبندنت البريطانية الى أن خارطة جديدة قادمة لا محال، وعلى العالم أن لا يتفاجأ في ما سيحدث في المنطقة!
وعلى ذات المنوال نسج الكاتب بيتر أوبرن مقالة نشرها في جريدة “ذي إيج” الأسترالية، علق فيها على التطورات الأخيرة في العراق، لاسيما بعد دخول داعش مدينة الموصل، ومدى تأثير ذلك على خارطة تقسيم الشرق الأوسط.. حيث راح الكاتب يتنقل عبر المراحل التاريخية لنشوء المنطقة، ماراً بأسباب نشوء تنظيم القاعدة الإرهابي، وانبثاق وليدها غير الشرعي (داعش)، ليصل بعدها الى منحدر خطير في توقعاته لمستقبل المنطقة جغرافياً وسياسياً حيث يقول نصاً: (هؤلاء الجهاديون -ويقصد داعش- قادرون على التحرك بحرية أكبر، ونطاق أكثر اتساعا من ذي قبل، حيث باتت تمتد مساحة عملياتهم من شمال العراق وسوريا، وشمال إفريقيا في ليبيا، ثم جنوبا باتجاه نيجريا. إنهم يسيطرون مباشرة على مساحة كبيرة من الأرض مثل البلاشفة الشيوعيين عام 1917، والفاشيين في ثلاثينيات القرن المنصرم.. لقد باتوا قوة جديدة عديمة الرحمة، قادرة على نشر العنف على المسرح العالمي…)!!
ويقول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في حوار أجرته جريدة الأهرام، كلاماً أشبه بكلام أوبرن، وفيسك: حيث قال: (أننا أمام سايكس بيكو جديدة ستحل محل القديمة حتماً)!
وأوضح هيكل فكرته قائلا: (كانت سايكس بيكو الأولى تقسيما للعالم العربي بين انجلترا وفرنسا، إذ كانت تركيا العثمانية أولى الضحايا، وقبلها العرب، أما سايكس بيكو الثانية، فهي تقسيم لإرث مشروع عربى لصالح تحالف أمريكى ـ أوروبي، وضحاياه كلهم عرب)!
وفي باريس نشر أستاذ العلوم السياسية في المركز الدولي للجيوبوليتيك الدكتور خطار أبو دياب دراسة أسماها: (الغرب يرسم ‘سايكس بيكو’ جديدة للتخلص من ورطته في العراق وسوريا) قال فيها:
(تضع مراكز القرار في دول غربية خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط في محاولة منها لإعادة رسم جديد و”تصحيح” اتفاقية سايكس بيكو بعد قرن تقريبا من إعلانها.
ويتخذ التقسيم مرجعا طائفيا في تحديد البلدان الجديدة، بحيث يكون العراق وسوريا مركزي الانطلاق في تسمية البلدان وفق سنيتها وشيعيتها، ويمكن إنشاء دولة سنية متكونة من محافظات غرب العراق بما فيها الموصل مجتمعة مع مدن الشرق السوري. فيما تشكل محافظات جنوب العراق دولة شيعية متقاربة مع إيران، إلا أن السيناريو لم يجد للعاصمة العراقية حلا مقبولا في تقسيمه الجديد. ويواجه هذا السيناريو المزيد من المؤيدين له في الأوساط الغربية، مع أن الدبلوماسيين يعلنون عكس ذلك، فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن بلاده ملتزمة بوحدة العراق.
ويرى ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، أن “سايكس بيكو جديدة” ستنقذ بلاده من ورطتها المتفاقمة في العراق وترددها في سوريا. وقال “الشيء الوحيد المؤكد أن الشرق الأوسط القديم يؤول إلى التفكك. والسؤال هو متى يأخذ مكانه الجديد”؟
وخلاصة الموضوع بالنسبة لي أقول فيه: أن ما تقوله وكالات الغرب الستراتيجية، وصحفها، ومراكز قرارها، وما يقوله المحللون أيضاً عن خارطة العراق وسوريا الجديدة بعد إحتلال داعش للموصل، وإقترابهم من مدن عراقية أخرى، وإزالة الحدود بين الحسكة والموصل، ربما يكون صحيحاً بعض الشيء، لو كانت الأمور تمضي حسب ما هو عادي وتقليدي، بمعنى أن يكون الحساب فيها (واحد زائد واحد يساوي أثنين)..لكنهم لم يحتسبوا، ويتحسبوا للقنبلة التي أطلقتها فجأة المرجعية الدينية الشريفة في النجف الأشرف، والتي أحرقت بها توقعات الغرب والشرق معاً. بعد أن عبأت هذه الدعوة المباركة ملايين العراقيين من سنة وشيعة، ومسلمين ومسيحيين وصابئة مندائيين، بحيث تم تشكيل فيلق من المتطوعين المسيحيين أسموه فيلق بابل، عدا الفيالق العراقية الأخرى التي هبت من كل مناطق العراق. وقطعاً فإن هذه الدعوة المباركة، والإستجابة السريعة لها قد قلبت كل الموازين، وشطبت على حسابات المحللين والخبراء السياسيين، مما يجعل عودة الموصل، والمدن الأخرى التي سقطت بيد داعش، أو بيد الأكراد الى أحضان الخارطة العراقية أمراً مؤكداً لا يؤخره سوى إكمال التدريبات والإستعدادات. إن (جيش السيستاني) الوطني المشترك الذي هبَّ مسرعاً ومتطوعاً من أجل الفداء والتضحية دون أن يفكر بمال أو بمنصب، سيمزق بأسنانه خارطة الوهم التي رسمتها أطماع الطامعين، وتبنتها جموع الطائفيين، بعد ذلك سأدعو الغرب وداعش وتركيا والأكراد الى (تنگيع) خارطتهم الموهومة، ومن ثم شرب مائها!!

