فالح حسون الدراجي
بعد أن نشر مقالي الموسوم (خارطة داعش.. وجيش السيستاني الوطني) في افتتاحية (الحقيقة) لعدد يوم أمس، اتصل بي أحد الأصدقاء العراقيين الذين أثق بهم كثيراً، وأحترم تجربة نضالهم الوطني في صفوف المعارضة الوطنية لنظام صدام الدكتاتوري، مثلما أحترم توجهاتهم الوطنية التقدمية، التي لم تتلوث قط بفايروسات الطائفية بعد سقوط ذلك النظام، إذ بقي الرجل واحداً من الأشخاص الأوفياء لقيمهم، ومبادئهم الوطنية والإنسانية، وبعد التحية والسلام، قال صديقي: مقالك اليوم في جريدة الحقيقة رائع وشجاع، بخاصة وهو يتحدث عما هو مسكوت عنه في العراق اليوم.. فالمقال يتطرق لقضية حساسة، وخطيرة جداً، تهدد وطننا الذي هو أعز ما نملك في هذه الدنيا. قضية تخصنا نحن، لكننا للأسف نتجاهلها ونتحاشى المرور بها، بينما هي اليوم حديث المجتمع الدولي، ومؤسساته الستراتيجية. وأقصد بها قضية الخارطة الوطنية العراقية المهددة بالقضم والقص والتقسيم. وإذا كان أغلب أبناء الشعب العراقي لا يعلمون شيئاً عمّا يخطط لبلدهم خلف الأبواب الدولية والاقليمية المغلقة، فإن ثمة الكثير من الأطراف العراقية، وخصوصاً السياسية منها، لا تعلم بهذه الكارثة فحسب، إنما هي تسعى بكل ما لديها من طاقة لجعل هذا التقطيع والتقسيم لخارطة بلادهم أمراً مفعولا وسريعاً.. مثال على ذلك بعض الأطراف الكردية، والسنية، بل وحتى الشيعية أيضاً، كأياد علاوي، ومن كان على شاكلته الطبقية، والسياسية!!
وقبل أن أشكر صديقي على تقييمه الفني للمقال، وعلى إدراكه الغاية التي كنت أريد عرضها فيه، بادرني بسؤال فاجأني به حين قال: أريد أن أعرض عليك سؤالاً راجياً تقبله بصدر رحب، وتجيبني عليه بعقلانية، وهدوء، دون تشنج.. فأنا وأنت مدمنان على محبة العراق، وموجوعان حتى النخاع لما يحصل له اليوم.. ومن حسن حظينا أنك تعرفني جيداً، وأعرفك كذلك. لذا أود أن نتبادل الأسئلة والأجوبة بموضوعية وصراحة.. والسؤال هو؛ هل تعتقد بأن العراق قادر على صد عدوان داعش الكبير، والخطير، وهل يمكن دحر هذا الهجوم بشكل تام، دون أن يترك آثاراً على الخارطة الجغرافية، والسياسية، والإجتماعية؟
قلت له : نعم سيقدر العراق على ذلك، وأنا واثق تماماً..
قال: على أي مصدر اعتمدت في ثقتك الكبيرة هذه؟
قلت: بما أنك قرأت مقالي ليوم أمس، فهذا يعني أنك تعرف جوابي..
قال: أتقصد نداء المرجعية؟
قلت له : أجل؟
قال: سأحاول أن أكون متفقاً معك بهذا الأمر، وأقول بأن المرجعية المباركة ستنجح بتحشيد أعداد كبيرة جداً من الناس، وتوجيههم نحو ميادين المواجهة مع داعش، وهي فعلاً قد نجحت لحد الآن في ذلك، ولكن اليس لداعش منابع بشرية مماثلة ايضاً، إن لم تكن أكثر . لاسيما وأن ساحتها التجهيزية مفتوحة على كل بقاع العالم، وليس على الساحة العراقية فقط؟
قلت له: المتطوعون العراقيون القادمون لمواجهة داعش، والذين لبوا نداء المرجعية الشريفة يحملون روحاً وهاجة لا تملكها داعش قط، فضلاً عن أنهم يتسلحون بعقيدة عميقة المعنى، أجزم أن كل جيوش ومنظمات وسرايا القتال في العالم تفتقد اليها..
قال: وهل تظن أن مقاتلي داعش لا يملكون عقيدة، وهم الذين يفجرون أنفسهم من أجل ازالة حاجز بسيط، أو قتل حارس بوابة، أو جندي في سيطرة عسكرية غير مهمة؟
قلت: لا أنكر أن لداعش عقيدة، يموت الداعشيون حولها. ولكن هل تظن أن عقيدة عمياء، لامعنى لها، ولا رغبة آدمية، سوى رغبة القتل وسفك الدماء. عقيدة متوقفة على مقدار حجم التفجير، وسعة رقعة الذبح والهدم والتدمير، عقيدة مثل هذه العقيدة ستقدر على مواجهة عقيدة وطنية، ورسالية، وإنسانية مثل عقيدة هؤلاء الفتية النجباء، الذين تركوا أهاليهم، وأحبتهم، ومدارسهم، ومصالحهم والتحقوا بصفوف الدفاع الشعبي، لا حُباً بالقتل ولا ولعاً بغنيمة، أو جزية، أو جهاد نكاح. إنما جاءوا إستجابة لنداء الوطن والضمير، ودعوة مرجعيتهم التي يعرفونها جيداً.. ويعرفون حجم الخطر الذي استدعى اطلاق هذه الدعوة. الا تشعر يا صديقي بالفرق بين عقيدتين، احداهما تحمي القيم، والشرف والمقدسات، وأخرى تهدر القيم، وتفتك الشرف، وتهدم المقدسات؟ وقبل أن يجيب صاحبي قلت له: كيف تساوي بين جيش قدوته الحسين إبن فاطمة الزهراء، وجيش قدوته معاوية بن هند، أو تساوي مثلاً بين شباب تطوعوا لحماية شرف أخواتهم، وعرض أمهاتهم العراقيات، وجيش جاء ليهتك عرض المحصنات.. إنهما جيشان، وعقيدتان، سنكون ظالمين لو عقدنا مقارنة بينهما، فشتان ما بين هذا الثرى، وتلك الثريا؟
صمت صديقي برهة. ثم قال: لقد صدقت والله يا أخي.. وها أنا أقرُّ لك بقوة ما تحججت به وجادلت عليه، فعقيدة يسقيها حُب علي بن أبي طالب، ويضيء مناراتها نور إنسانيته الساطع، لا يمكن أن تغلبها عقيدة مظلمة، وميتة، كشجرة قطع عنها الماء منذ سنين.. نعم فالنصر سيكون لنا، نحن جيش العراق الباسل، جيش السيستاني الوطني كما أسميته أنت.. وأجزم صادقاً أن خارطة العراق المقدسة لن تثلم مادامت محمية بهذه المهج والسواعد، ومحروسة ببركة المرجعية.. وسيبقى وطننا عالياً وشامخاً رغماً عن أنف الذين (فرحوا) بما حدث في الموصل، أو الذين شمتوا بما جرى في الفلوجة..

