فالح حسون الدراجي
يدرك الطغاة، والقتلة جيداً، أن لا شيء يقض مضاجعهم مثل الأناشيد الشعبية التي تصدح في أركان سلطاتهم، إذ ستصبح هذه الأناشيد، وهي على ألسنة الناس، كابوساً يلاحق منام المجرمين، ورعباً يطارد خيالاتهم.. لذلك تجد القتلة يحاربون الانشودة، ويمنعون صناعتها وإنتاجها، وانتشارها، وترديدها، بينما يحاول البعض الآخر منهم احتواءها وتغيير مسار توجهاتها واستبدال عنوانها الوطني بعناوين أخرى هامشية. لكن الأنشودة الشعبية، الحماسية، التعبوية ظلت تملك عطراً زكياً في ذاكرة التاريخ، وأثراً جميلاً في وجدان الجماهير، بعد أن لعبت هذه الأنشودة دوراً تحريضياً متقدماً ضد القتل والدم والتخلف والاستبداد. وفي هذا المجال أستطيع أن أذكر لكم اليوم عشرات الأسماء الفنية الرائعة التي حفظت الملايين أناشيدها، ورددتها في كل مكان. ولعل النموذج الأكثر حضوراً أمامي الآن هو المغني الوطني الشيلي (فكتور جارا) الذي الهب حماس الجماهير الشعبية بقيثاره الوطني، وأناشيده المتدفقة جمالاً وحماسة قبل أربعين عاماً فزرع بتلك الأناشيد وهج المقاومة في كل بيت، وفي كل قلب أيضاً. لقد كان فكتور جارا ينشد للناس أناشيد المقاومة والحب والأمل والصمود بوجه الغزاة الفاشست في المصانع والشوارع والمزارع حتى جعل الجماهير الشعبية تقاوم الانقلابيين الدمويين المدعومين من (أمريكا) آنذاك حتى آخر رصاصة في بنادقها، بل ظلت هي تقاوم حتى الى ما بعد سقوط الحكومة الشعبية برئاسة سلفادور الليندي فكان النصر بعد ذلك حليفها.. لقد تحقق الهدف الذي كان يسعى اليه فكتور جارا ورفاقه، وهذا الهدف ينحصر في إبقاء مشعل الأمل مضيئاً بيد الجماهير، وإبقاء جذوة المقاومة مشتعلة مهما كانت الظروف والنتائج وإعلاء معنويات الشعب حتى لو تمكن القتلة من تحقيق بعض أهدافهم الدموية فكانت الشهادة ثمن تلك الوقفة الوطنية الباسلة التي وقفها البطل فكتور جارا.. نعم لقد نجح مرتزقة الجنرال الفاشست بينوشيه قائد الإنقلاب الدموي في إعدام المغني الوطني فكتور جارا في ملعب سانتياغو بجمهورية تشيلي، بعد أن قطعوا يده التي كان يعزف بها أغنياته وأناشيد الوطنية الخالدة.. لكن الرجل لم يمت، فقد ظل إسمه، وأناشيده خالدة في أفئدة الناس.. ولعل الجملة الشهيرة التي أطلقها جارا بوجه القتلة، هي التي بقيت أكثر إضاءة الى يومنا هذا، بل ظلت مزهرة في كل كتاب يقرأه الفتية الصغار في مدارسهم كل صباح .. حتى حفظها شعب تشيلي عن ظهر قلب، وفاءً لتلك الأصابع الشهيدة، ولتلك الحنجرة الباسلة التي أرعبت جحافل القتل والدم والخراب. لقد صرخ جارا بوجه القتلة قائلاً: تستطيع أمريكا أن تصنع لكم دبابة تقتل كل شيء، لكنها من سوء حظكم لم ولن تستطيع أن تصنع لكم دبابة تقتل الأناشيد والأغاني!!
واليوم وأنا أقف على ضرورات الأنشودة، وأهمية تأثيرها على الوقائع الحربية في معارك المصير، مستذكراً تجربة الأناشيد التي كانت ترددها جماهير تشيلي حتى وهي تتراجع أمام الانقلابيين الفاشست، لتحقق نصرها بعد حين.. فإني أود من خلال كل هذا أن أربط بين معركة الحرية لشعب تشيلي قبل أربعين عاماً، وبين معركة الحياة والبقاء للشعب العراقي اليوم وهو يتصدى لمجرمي داعش الذين لايقلون إجراماً عن مجرمي بينوشيه. فأدعو مخلصاً كل من له قدرة فنية ومؤهلاً إنشادياً، سواء أكان تأليفياً، أو تلحينياً، أو أداءياً، أو موسيقيا! للمشاركة في الملحمة الوطنية الاستثنائية، التي يخوضها شعبنا العراقي بكل مكوناته ضد قوى الإبادة، فيسجل اسمه، ومنجزه في سجل الفاعلين، والذائدين عن وطن ليس في الدنيا أحلى منه، وعن حضارة ليس في التأريخ أقدم وأبهى منها.. حضارة عمرها أكثر من خمسة آلاف عام يستقتل المجرمون على إزالة آثارها من على سطح الكرة الأرضية، فالحضارة هي البعبع الذي يرعب الجهلة ويخيف المتخلفين.. وما على المسؤولين في قيادة الدولة العراقية إلاَّ أن يفتحوا الباب للبندقية الشعبية العراقية، وللقيثارة البابلية الوطنية، لكي تأخذا دوريهما في مواجهة خنازير الشرق والغرب التي تجمعت في بستان العراق الكبير، وكلها تريد تدمير أشجاره.. وقلع أزهاره..

